“مجرة اللانهاية”.. اكتشاف نادر يعزز نظرية نشأة الثقوب السوداء الهائلة
لا يزال تلسكوب جيمس ويب الفضائي يدهشنا باكتشافاته المذهلة، وآخر ما رصده كان عنقودًا كونيًا غير اعتيادي أطلق عليه العلماء اسم "مجرة اللانهاية"، في إشارة إلى شكله الفريد الذي يشبه رمز اللانهاية الرياضي. لكن هذا المظهر الخلاب يخفي في طياته ظاهرة كونية قد تُغيّر فهمنا لنشأة بعض أكبر الأجسام في الكون: الثقوب السوداء فائقة الكتلة.
يقول الباحثون إن هذا التشكيل الكوني قد يكون أقوى دليل حتى الآن على صحة نظرية تُعرف باسم "الانهيار المباشر"، وهي نظرية تقترح طريقة بديلة لتكوين الثقوب السوداء فائقة الكتلة التي تُعد من أكبر ألغاز علم الفلك.
شكل غير مألوف ومضمون أكثر إثارة
تتكوّن "مجرة اللانهاية" من نواتين حمراوين محاطتين بحلقات ضوئية، تُشبهان إلى حد كبير مجرتين في طور الاندماج، يُعتقد أن هاتين المجرتين هما في الأصل مجرتان حلزونيتان اصطدمتا في الماضي القريب نسبيًا (بحساب الزمن الكوني)، وفي قلب هذا التصادم، ترقد سحابة غازية ضخمة يُعتقد أنها تحتضن ثقبًا أسود حديث الولادة يفوق حجم الشمس بمليون مرة تقريبًا.
تحدي نظرية الانهيار النجمي
لطالما اعتقد العلماء أن الثقوب السوداء تتكوّن عندما تنهار النجوم الضخمة بعد انتهاء دورة حياتها، لكن هذا التفسير يواجه صعوبة عندما نحاول فهم كيفية تشكل الثقوب السوداء العملاقة التي وُجدت في وقت مبكر جدًا من تاريخ الكون، بعد الانفجار العظيم بفترة قصيرة.
هنا تبرز نظرية "الانهيار المباشر"، التي تفترض أن بعض هذه الثقوب يمكن أن تتكون مباشرة من انهيار سحب هائلة من الغاز، دون المرور بمرحلة نجمية. وتُشير بيانات "مجرة اللانهاية" إلى أن هذا السيناريو قد يكون هو ما حدث بالفعل.
تفاصيل علمية تُعزز النظرية
الدراسة الجديدة التي نُشرت حديثًا شارك في إعدادها الدكتور بيتر فان دوكوم من جامعة ييل، والذي صرّح في بيان رسمي: “نعتقد أننا أمام مشهد نادر لثقب أسود يتشكل مباشرة من الغاز الكوني، وهو ما يدعم فرضية الانهيار المباشر”، وأوضح أن التصادم بين المجرتين أدى إلى ضغط شديد للغاز بينهما، ما شكّل عقدة كثيفة انهارت بدورها مكونة ثقبًا أسود فائق الكتلة.
وأضاف: "لا يمكننا التأكيد بنسبة 100% أن ما نشهده هو ولادة مباشرة لثقب أسود، لكن الأدلة المتوفرة تقربنا كثيرًا من هذا الاستنتاج وتستبعد عددًا من التفسيرات الأخرى".
أهمية الاكتشاف وماذا بعد؟
إذا ثبت أن "مجرة اللانهاية" تحتوي على ثقب أسود تشكل بهذه الطريقة، فسيُعدّ هذا الاكتشاف خطوة كبيرة نحو فهم بدايات الكون وآلية تشكل أولى المجرات والثقوب السوداء العملاقة، وما يزيد أهمية هذا الكشف هو أنه يقدم فرصة نادرة لدراسة اللحظات الأولى من حياة ثقب أسود بهذا الحجم، في وقتٍ لم تكن فيه الأدوات السابقة قادرة على رصد مثل هذه الظواهر بدقة.
وتُخطط الفرق العلمية لمواصلة دراسة البيانات التي جمعها تلسكوب جيمس ويب عن "مجرة اللانهاية"، وربما إجراء ملاحظات إضافية لتأكيد السيناريو المطروح، ومع تزايد قدرات التلسكوب، قد لا يمر وقت طويل قبل أن نرى المزيد من الأدلة على أن "الانهيار المباشر" هو بالفعل أحد الألغاز التي تم حلها أخيرًا في علم الكونيات.