الطائفية تمزق سوري
مجازر فى السويداء.. الفصائل المسلحة تسيطر والبدو يدفعون الثمن
ارتُكبت أمس مجازر مروّعة بحق المدنيين فى حى المقوس بمحافظة السويداء جنوب سوريا، بعد ساعات من تطبيق بنود الاتفاق الذى أعلنت عنه وزارة الداخلية السورية، والذى قضى بتكليف بعض الفصائل المحلية ومشايخ العقل بحفظ الأمن فى المحافظة. غير أن هذا الترتيب سرعان ما انهار، إذ شنت مجموعات مسلحة خارجة عن القانون هجوماً واسعاً على الحي، ارتكبت خلاله انتهاكات جسيمة بحق النساء والأطفال، ونفذت عمليات تصفية ميدانية بحق أبناء المنطقة من العشائر والبدو.
ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية عن مصادر محلية أن الهجوم خلّف عدداً كبيراً من القتلى والمصابين، وأدى إلى موجة نزوح واسعة من ريف السويداء، بعد تهديد السكان باستهدافهم فى حال بقائهم. كما أكدت قناة «الإخبارية السورية» أن حالات النزوح طالت بشكل خاص عائلات بدوية، ظهرت فى صور ومقاطع مصورة وهى تغادر مساكنها على عجل، مستخدمة الشاحنات لنقل ما استطاعت حمله من الأمتعة.
وقالت إحدى السيدات النازحات فى تسجيل صوتى تناقله ناشطون: «أغيثونا من الدروز.. طردونا من ديارنا واغتصبوا نساءنا، أحرقوا منازلنا ونهبوها». وتداولت منصات التواصل الاجتماعى نداءات استغاثة من عائلات فرت من منازلها تحت تهديد السلاح، متهمة فصائل محلية درزية بارتكاب تجاوزات ترقى إلى جرائم تطهير عرقي. جاءت هذه الموجة من التهجير القسرى بعد إنذار وجهته «مجموعات خارجة عن القانون تتبع لشيخ عقل الطائفة الدرزية حكمت الهجري»، أمهلت خلاله العائلات البدوية وقتاً محدوداً لمغادرة السويداء. ووصف مراقبون هذه الخطوة بأنها «ترانسفير قسرى منظم» استهدف شريحة سكانية بعينها على خلفيات طائفية متصاعدة.
ورغم خطورة الوضع، لم تصدر حتى الآن أى بيانات رسمية من الحكومة السورية توضح آليات الاستجابة أو خطة التعامل مع آلاف المدنيين النازحين. فى المقابل، أطلقت منظمات إغاثية سورية ودولية نداءات عاجلة تطالب بفتح ممرات إنسانية آمنة وتوفير الدعم اللوجستى للأسر التى فرت من مناطق القصف والانتهاكات، فى وقت يعانى فيه الجنوب السورى من أزمة إنسانية متفاقمة نتيجة القتال والانهيار الإدارى والأمنى.
وكانت قد انسحبت قوات الحكومة السورية من محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، منهية بذلك أربعة أيام من الاشتباكات بين الجيش ومقاتلين دروز ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدر أمنى تركى أمس الخميس، أن تركيا لعبت دورًا حاسمًا فى التوصل إلى وقف إطلاق النار فى سوريا عقب الغارات الجوية الإسرائيلية على دمشق، بما فى ذلك إجراء مسئولى مخابرات محادثات مع زعيم الدروز فى سوريا.
وأضاف المصدر أن رئيس المخابرات التركية إبراهيم كالين أجرى مناقشات بشأن الغارات الإسرائيلية مع نظرائه فى الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا، وكذلك مع الرئيس السورى فيما أفادت عدة وسائل إعلامية، عقب دخولها السويداء التى ساد فيها وقف إطلاق النار، بأن هناك ما يزيد عن 15 جثة متناثرة فى وسط المدينة، تظهر عليها علامات ترجّح مقتلها قبل أيام، وقد أشار البعض إلى أنها قد تكون دليلًا على وقوع إعدامات ميدانية، دون الإشارة إلى ما إذا كانت تعود لمدنيين أو مقاتلين كما أكد مسئولون إسرائيليون تعزيز قوتهم على الحدود السورية تحسباً لأى تطورات قادمة.
وفى تصريح من جانب رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلى قال إن زعيم الدروز موفق طريف هو من طلب التدخل فى الشأن السورى لحمايتهم.
وكان قد اتهم الرئيس السورى أحمد الشرع إسرائيل بمحاولة إغراق سوريا فى الفوضى مجددًا من خلال تأجيج الفتن بين أبناء المجتمع الواحد، مؤكداً أن هذه المحاولات لن تمر، لأن السوريين «أصلب من أن تزعزعهم الفتن المصنّعة».
وشدّد الشرع على أن سوريا «ليست حقل تجارب أو ساحة لتصفية الحسابات الدولية»، واتهم أطرافًا خارجية، لم يسمّها، بمحاولة جرّ البلاد إلى معركة عبثية تهدف إلى تمزيق الوطن وإشغال الدولة عن أولوياتها فى التعافى وإعادة البناء. وأضاف أن امتلاك القوة العسكرية لا يعنى النصر، مذكّرًا بأن «بدء الحرب أسهل بكثير من التحكم بنتائجها».
وفى رسالة مباشرة إلى أبناء الطائفة الدرزية، وصفهم الرئيس السورى بأنهم «جزء أصيل من نسيج الوطن»، مؤكدًا أن حماية حقوقهم وحرياتهم فى صدارة أولويات الدولة. وأوضح أن ما جرى فى السويداء بدأ نتيجة اشتباكات بين مجموعات مسلحة بسبب خلافات قديمة، لكن «بدلاً من اللجوء إلى الدولة لحل النزاعات، ظهرت عصابات خارجة على القانون فضّلت مصالحها الخاصة».
وأثارت التطورات قلقًا دوليًا واسعًا، إذ دعا وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو إلى التزام كل الأطراف بالاتفاق الذى تم التوصل إليه لوقف القتال، مشيرًا إلى أن الأزمة الحالية جاءت نتيجة «خصومات تاريخية» وسوء فهم بين الجانبين السورى والإسرائيلي. وقال إن استعادة الهدوء يتطلب تعاونًا صادقًا من الجميع.
وأعلنت الحكومة السورية إلى جانب أحد مشايخ الطائفة الدرزية عن وقف إطلاق النار، غير أن الانقسام لا يزال قائمًا داخل الطائفة، حيث رفض الشيخ حكمت الهجرى الالتزام بالهدنة، واصفًا الحكومة بأنها «عصابات مسلحة»، بينما دعم شيخ العقل يوسف جربوع التهدئة.
وبحسب المرصد السورى لحقوق الإنسان، فقد بلغ عدد القتلى فى أحداث السويداء أكثر من 350 شخصًا، بينهم مدنيون دروز قتلوا فى «إعدامات ميدانية»، إلى جانب عناصر من الجيش السورى ومقاتلين محليين. ويعد هذا التصعيد الأخطر منذ مجازر الساحل، وسط مخاوف من تفكك الولاء الدرزى للدولة.
من جانبها أكدت الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية فى سوريا، أمس الخميس، أنها متمسكة بالسلام وبناء وطن يحكمه القانون، داعية إلى فتح الطرق نحو مناطق سيطرة الأكراد فى الشمال الشرقي، فى خطوة تهدف إلى تعزيز التواصل الوطنى ورفع العزلة عن السويداء.
وشددت الرئاسة على ضرورة تنظيم حمل السلاح الثقيل بالتنسيق الكامل مع وزارتى الداخلية والدفاع، بما يضمن ضبط الأمن ويحول دون الانزلاق إلى مواجهات داخلية.
كما طالبت بتفعيل منظومة الأمن الداخلى من أبناء السويداء وضباطها، وتشكيل لجنة تقصّى حقائق مستقلة للتحقيق فى أحداث العنف الأخيرة، إلى جانب تعويض المتضررين من المدنيين وممتلكاتهم.
فيما أصدر الاتحاد الأوروبى بيانًا عاجلاً دعا فيه إسرائيل إلى الوقف الفورى لهجماتها على الأراضى السورية واحترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها.
وأكد مندوب سوريا فى الأمم المتحدة، قصى الضحاك، أن دمشق طلبت من مجلس الأمن عقد جلسة طارئة لبحث «العدوان الإسرائيلي»، مطالبًا بإدانة واضحة لإسرائيل وإجبارها على سحب قواتها من الأراضى السورية ووقف انتهاك اتفاقية فصل القوات لعام 1974. واعتبرت سوريا أن ما يجرى هو استمرار لسياسة عدوانية إسرائيلية تتجاهل السيادة السورية وتعمل على بناء قواعد عسكرية غير شرعية فى أراضيها.
ودعت الصين إلى احترام سيادة سوريا، فى أول موقف دولى داعم منذ بدء الهجمات الإسرائيلية. وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن تجمعات الدروز الإسرائيليين على الحدود توقفت، لكن عددًا منهم لا يزال داخل الأراضى السورية، وتجرى محاولات لإعادتهم.
فيما أعربت وزارة الخارجية الروسية، فى بيان رسمى اليوم، عن إدانتها الشديدة للهجمات الأخيرة التى استهدفت الأراضى السورية، مؤكدة أنها تمثل انتهاكًا واضحًا لسيادة سوريا ولقواعد القانون الدولي.
وشددت موسكو على أن ما يجرى فى سوريا يستلزم موقفًا دوليًا حازمًا لوقف الانتهاكات المتكررة واحترام السيادة السورية بشكل كامل، داعية إلى ضبط النفس وتجنب أى خطوات تزيد من تعقيد الوضع الميدانى أو تهدد الأمن الإقليمى.