ذكرياتى (١١)
مواقف مؤثرة فى مسيرتى العلمية والوظيفية
ذكرت فى مقالى السابق أنه قد تم تعيينى معيدا فى تخصص اللغويات، ولأسباب إجرائية تأخرت الأوراق نحو ستة أشهر فى مكتب الموظف المختص، وفى هذا التوقيت ألغت الجامعة نظام تعيين المعيدين ليحل محله نظام الإعلان، واستغرق هذا الأمر نحو عامين، غير أنى لم أتوقف عند التعيين فالتحقت فور تخرجى بالدراسات العليا، وكان هناك أستاذان لا أنسى فضلهما فى الوقوف بجانبى فى حث إدارة الكلية على الإسراع بالإعلان، فقد كانا متحمسين لى تحمس الوالد لولده، وهما الأستاذ الدكتور عبدالحليم محمد عبدالحليم، أستاذ علم اللغة بالكلية -رحمه الله-، والأستاذ الدكتور فهمى حسن النمر، أستاذ اللغويات بالكلية -حفظه الله-، وكنت أسأل وأناقش كثيرا فى محاضراته بالدراسات العليا فى علل النحو، فقال لى يوما: أنت واسع الخيال ولو ذهبت إلى قسم الأدب ستجد فيه متسعا أكبر لطموحاتك، وقد كان ما رأى حيث تقدمت للإعلان فى تخصص الأدب وتم تعيينى معيدا فيه، وهنا تذكرت قول أحد العلماء الأدباء: من لا يحسن أن يكون أديبا لا يحسن أن يكون خطيبا، فصنعة الأديب الكلام وصنعة الخطيب الكلام.
وكان من العادة أن ينقطع طلاب الدراسات العليا قبل الامتحان بنحو ثلاثة أسابيع عن الدراسة ليتفرغوا للاستعداد للامتحانات، وانقطع كل زملائى غير أننى ظللت أحضر المحاضرات منفردا انتظارا لأن يقول لى الأساتذة كفى، فلقينى أ. د. فهمى النمر يوما فى ساحة الكلية فقال لى معجبا ومداعبا: يا محمد، يا ولد: أأنت مقطوع من شجرة ليس لك اهل؟! فقد كان معجبا غاية الإعجاب باهتمامى البالغ بالدراسة ودعمنى بقوة ليس فى موضوع تعيين المعيدين فحسب بل فى كثير من مراحل عملى بالكلية وبخاصة إبان عمله رئيسا للقسم ووكيلا للكلية.
أما أستاذى الذى أنزله منزلة والدى ولن أنسى فضله العلمى والأدبى ما حييت هو الأستاذ الدكتور محمد السعدى فرهود، رئيس جامعة الأزهر الأسبق -رحمه الله-، فقد تعهدنى تعهد الوالد لولده، ومكننى من التدريس بالكلية نيابة عنه فى بعض المحاضرات منذ اللحظات الأولى لتعيينى معيدا، واختارنى معه فى كنترول السنة الرابعة بالكلية، وأذكر أنه قال يوما لعميدها: أعطونى كنترول الفرقة الأولى ومعى محمد مختار ولا أريد أحدا بعد ذلك أو أعطونى بعده من تريدون، وضمنى معه لكنترول الدراسات العليا وأنا لا أزال مدرسا مساعدا وكان من المعتاد أن يكون عضو كنترول الدراسات العليا أستاذا مساعدا على الأقل، وكان يأتمننى على كل ما يتصل بالكنترول، وأحياناً يسافر أسبوعا كاملا ويقول لى أنا مطمئن لوجودك ويسلمنى أوراق الأسئلة لتسليمها للجان ويكلفنى بترقيم أوراق الإجابة سريا وتسليمها وتسلمها من الأساتذة طوال مدة سفره، وكان له مقولة مشهورة: من يتميز فى أعمال الكنترول فهو عضو هيئة تدريس متميز، وكان يقول: الامتحان ليس للطالب فقط، بل هو امتحان للأستاذ أيضا ويعنى أنه اختبار لدقة الأستاذ وأمانته.
وفى يوم ما تقدمت لعرض علمى لموضوع رسالتى للدكتوراة وما أنجزته فيها على القسم (سيمنار علمى) فى حضور نخبة من خيرة الأساتذة بالقسم فى مختلف تخصصاته، وكان العرض موفقا لغة ومضمونا، فأثنى الاساتذة جميعا على الأداء، وكان أكثرهم انبهارا وتشجيعا لى الأستاذ الدكتور السيد رزق الطويل، عميد الكلية الأسبق -رحمه الله-، فقال له الدكتور السعدى فرهود: محمد إن لم يكن شاعرا فهو شاطر، وكنت أحلل كلامى أساتذتى تحليلا دقيقا ولا أمرره مرور الكرام، فظللت أفكر فيما قال حتى تيقنت أنه يقصد شاطرا من التشطير (فن من فنون الشعر)، وكان بين يدى كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة، فأخذت أضع يدى على الشطر الثانى من البيت وأنشئ بدلا منه إنشاء جديدا، ثم أخفى الشطر الأول من أبيات أخرى وأنشئ مكانه، فوجدت سبيل الشعر أمامى معبَّدا وميسرا، وهنا بدأت تجربتى مع الشعر، ولى مع نظمه لطائف ظريفة ومثيرة، نكملها فى الأسبوع القادم بإذن الله تعالى.
وللحديث بقية.
الأستاذ بجامعة الأزهر