علماء الدين يحذرون جشعٌ وأكلٌ لأموال الناس بالباطل
التلاعب بالأسعار.. جريمة شرعية
فى ظل ما يعانيه المواطن من ضغوط اقتصادية متزايدة وارتفاع غير مسبوق فى أسعار السلع الأساسية، تتزايد شكاوى الناس من سلوكيات بعض التجار الذين يستغلون هذه الأزمات لتحقيق أرباح طائلة على حساب المستهلكين، حتى باتت عبارة «البيع بلا بركة» واقعًا ملموسًا فى حياتنا اليومية.
لكن ماذا يقول الشرع فى هذا المشهد؟ وهل هناك ضوابط شرعية تحكم هامش الربح أو أساليب التسعير؟ وهل كل من رفع السعر آثم؟
الرحمة أساس البيع والشراء
فى هذا السياق قال الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية الأسبق، إن استغلال بعض التجار للظروف الاقتصادية الصعبة من أجل تحقيق أرباح مادية على حساب البسطاء يعد محرمًا شرعًا، ويتعارض مع قيم الإسلام التى أقامت البيع والشراء على مبدأ الرحمة والتيسير، مستشهدًا بقول النبى صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى».
وأشار المفتى إلى أن الإسلام ربط بين أفراد المجتمع بروابط التراحم والتكافل، فدعا إلى مد يد العون للمحتاج لا استغلاله، وقال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه»، وعلى التاجر أن يسعى لسد حاجة أخيه فى وقت الأزمات، لا أن يتربص بها لتحقيق الربح، مستشهدًا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من كان معه فضلُ ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلُ زادٍ فليعد به على من لا زاد له».
وأكد المفتى إلى أن المال الناتج عن الاحتكار مال حرام وجريمة شرعية وقانونية، لأنه يُعد أكلًا لأموال الناس بالباطل. وأكد أن من تاب عن الاحتكار، عليه أن يرد الأموال التى حصل عليها بغير وجه حق.
أكل أموال الناس بالباطل
فيما حذر الدكتور يسرى جبر، أحد علماء الأزهر الشريف، من خطورة جشع بعض التجار الذين يتعمّدون احتكار السلع وتخزينها عمدًا فى أوقات الأزمات، بهدف رفع الأسعار وتحقيق أرباح غير مشروعة، مؤكدًا أن هذا السلوك يُعد واحدًا من أبرز صور أكل أموال الناس بالباطل.
وأوضح جبر، أن الحديث النبوى الشريف: «من أخذ أموال الناس يريد إتلافها، أتلفه الله» يحمل تحذيرًا شديد اللهجة من أى صورة من صور الاستغلال والغش والنية السيئة فى التعاملات المالية، مشددًا على أن من يسلك هذا الطريق يعرّض نفسه للهلاك، لأنه يعتدى على حقوق الناس ويخالف مبادئ الإسلام.
وأضاف أن ما يقوم به بعض التجار من بيع سلع رديئة بأسعار مرتفعة، أو استخدام علامات تجارية مقلدة، يدخل كذلك فى إطار الغش المحرّم وأكل المال بالباطل، محذرًا من خطورة ذلك على المستهلكين، لا سيما فى الصناعات الحيوية كالأدوية، حيث يتحول الجشع هنا إلى تهديد مباشر لحياة البشر.
وأشار جبر إلى أن هذا النوع من الفساد المالى ظاهرة عالمية تؤدى إلى تفشى الغلاء، وزيادة الفقر، بل والمجاعات فى بعض الدول، مستشهدًا بما يعانيه سكان قطاع غزة من أوضاع إنسانية مأساوية، دفعت البعض لتناول وجبة واحدة كل يومين فى ظل الحصار وشح الموارد.
وختم بتأكيد أن الحديث النبوى يحمل أيضًا بشارة ضمنية؛ فكما أن من يسعى للإضرار بأموال الناس يُعاقب، فإن من يأخذها بنية طيبة ويستثمرها بأمانة، يُوفَّق ويُعان من الله، داعيًا إلى الالتزام بالأمانة والإتقان فى الأعمال والاستثمار، والابتعاد عن الغش وسوء النية، لما فيه من حفظ للمجتمع واقتصاده.
العدل لا الجشع
وفيما يخص تسعير البضائع، أوضح الشيخ محمد كمال، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن رفع التاجر لسعر السلعة ليس محرمًا فى ذاته، ما لم يكن هناك تسعير رسمى من الدولة، وأكد أن الضابط الشرعى فى ذلك هو العدل، لا الجشع أو استغلال حاجة الناس.
وأكد الشيخ أن التاجر الذى يبيع بالسعر القديم بدافع الورع قد يُرهق نفسه ماليًا، خاصة إذا لم يتمكن من شراء بضائع جديدة بالسعر المرتفع، مما قد يؤدى إلى تعطل حركة التجارة. واستند كمال إلى ما نُقل عن الصحابى عبد الله بن عمر رضى الله عنه، حين قال الخليفة عمر بن الخطاب للتجار: «بيعوا بسعر السوق أو اتركوا السوق». إشارة إلى ضرورة تحقيق التوازن فى السوق وعدم الإضرار بالدورة الاقتصادية.
وأشار إلى أن البيع بالسعر الجديد جائز شرعًا بشرط خلوه من الجشع، وأنه يحق لأى تاجر، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، أن يُراعى تغيرات السوق بما يضمن استمرار نشاطه دون ظلم للناس أو مغالاة.
أكد الدكتور محمد عبد السميع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الشريعة الإسلامية لم تحدد نسبة ثابتة للربح فى البيع، موضحًا أن الفقهاء أجازوا للتاجر تحديد السعر الذى يراه مناسبًا، ما دام لا إجبار أو خداع.
وأشار عبد السميع إلى أن حرية التعاقد بين البائع والمشترى هى الأساس، لكن بشرط عدم تجاوز الحدود الشرعية، وعلى رأسها تحريم الاستغلال والتلاعب بالأسعار، خاصة إذا كانت السلعة أساسية أو نادرة، وقال: «إذا قبل المشترى السعر وكان عادلًا، فلا حرج شرعًا، لكن إن رفع التاجر السعر بشكل مبالغ فيه مستغلًا حاجة الناس، فقد وقع فى باب الاستغلال المذموم شرعًا».
وأضاف أن الإسلام وضع ضوابط تحفظ عدالة السوق ومنع الاحتكار والمغالاة، مستشهدًا بقول النبى صلى الله عليه وسلم: «لا تلقوا الركبان ولا يبع حاضر لباد»، وهو حديث يُحذر من استغلال الجهل بالأسعار أو نقص المعروض لرفع الأسعار بغير وجه حق.
وأوضح عبد السميع أن آلية العرض والطلب هى التى تحدد الأسعار فى حال عدم وجود تسعير رسمى، لكن لا يعنى ذلك إطلاق العنان للتجار لفرض أسعار مجحفة، خاصة فى أوقات الأزمات أو عند بيع السلع الضرورية. وتابع: «من حق التاجر أن يربح، خاصة إذا كانت السلعة مستوردة أو نادرة، لكن بشرط أن يكون السعر واضحًا والمشترى على علم تام به، وألّا يكون فيه غش أو غبن أو تضليل».
وشدد فى ختام تصريحه على أن الربح الحلال هو ما تم باتفاق الطرفين دون ظلم أو استغلال، وأن التاجر المسلم مدعو دائمًا للتوازن بين تحقيق الربح ومراعاة الضمير والعدل والرحمة بالناس.