بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

باراك أوباما.. البصاص الأعظم

اذا كان الرئيس الامريكى السابق جورج بوش الابن أخطأ حين حذرته المخابرات المصرية والفرنسية من هجوم محتمل على الولايات المتحدة بوسائل غير تقليدية قبل هجمات الحادى عشر من سبتمبر 2001 وتجاهل تلك التحذيرات حتى وقع ما وقع، فان خلفه الرئيس الحالى باراك أوباما الديمقراطى

تعلم الدرس، وأصبح لا ينتظر معلومات الاخرين حفاظا على الأمن القومى لبلاده، بل زاد على ذلك، فأصبح عبر وكالة الأمن القومى الامريكى يتجسس على الآخرين.. الأصدقاء قبل الأعداء.. والحلفاء قبل الأصدقاء.. أصبح يتجسس على الجميع، وهو فى هذا المسلك الذى أثار انتقادات دولية واسعة لم تنته بعد، أصبح يسير على نهج الزينى بركات بن موسى محتسب مصر أواخر أيام الدولة المملوكية وأوائل أيام الحكم العثمانى لمصر.
كان الزينى بركات بن موسى سابقة عصره وزمانه لم يأت مثله بصاص من قبل ولا من بعد، تولى الحسبة فى مصر ايام السلطان قانصوه الغورى، واختلف الناس كثيرا حول شخصيته بعدما تولى هذا المنصب الرفيع، بعضهم ذهب للسلطان واقسم انه سكير عربيد يعشق المجون وهو زبون دائم للمواخير الليلية، والبعض الاخر قال للسلطان انه زاهد ناسك متعبد لديه صومعة فى جبل المقطم خصصها للتهجد والتعبد لكى ينقطع عن الدنيا الزائلة ويتقرب الى الله، وأنه لا شك أبدا فى اخلاصه وايمانه، كما قال البعض للسلطان أنه فقير معدم مجهول الهوية وأنه لايستحق هذا المنصب الرفيع ابدا، وزاد آخرون أنه مشروع فساد كبير وانه شوهد كثيرا بصحبة أمراء المماليك الفاسدين الذين نهبوا العباد والبلاد.
احتار السلطان الغورى فى أمره كثيرا ولم يدر كيف يتصرف ازاءه: هل يبقيه؟ هل يعزله؟ ومن فرط اعجابه الدفين بشخصية الزينى صرح له بهواجسه، وجاءت الفرصة لابن موسى لكى يرد على كل تلك الشائعات، حين شكا له السلطان من نضوب الخزانة العامة للدولة او بيت المال بعد ان نهب المحتسب السابق على بن أبى الجود كل شىء، وهنا تدخل الزينى فأمر بحبس أبى الجود فى زنزانة انفرادية، واطلق جواسيسه حول اقربائه لكى يعرفوا له كل صغيرة وكبيرة، وبالفعل استطاع الزينى بالمعلومات التى امتلكها عن أبى الجود أن يسترد تلك الاموال التى كان يحتاجها السلطان الغورى لمحاربة العثمانيين، وبذلك اكتسب ثقة السلطان ووطد نفوذه فى الحكم.
لم يكتف الزينى باكتساب ثقة السلطان فقط بل عمل على ترجمة خبراته فى البص والتجسس الى واقع عملى، وهنا اصطدم بكبير البصاصين زكريا بن راضى، الذى كان يتبع مدرسة تقليدية فى البص تعتمد على مراقبة الخصم او الهدف، وعلمه الزينى بركات بن موسى أن البص مدرسة كبيرة وعلم كامل اول مقوماته هو وجود دفتر معلومات لكل مواطن فى الدولة، يتضمن كل شىء عنه، وان المعلومة يجب أن يجمعها أكثر من بصاص وليس بصاصا واحدا، وأنه لابد من تجنيد الاطفال لكى يتجسسوا على آبائهم، وأن أصحاب الحرف والمقاهى والصناع والتجار هم قاعدة الانطلاق للبص وجمع المعلومات، وان البصاص العظيم هو الذى

يلغى عواطفه فيتجسس على الجميع دون استثناء وان يتوقع الافعال المتوقع ارتكابها من قبل المطلوبين للبص، وأنه لا استثناء فى البص.. الأعداء مثل الأصدقاء.
أحدث الزينى بركات ثورة فى البص وحذر السلطان الغورى من خطورة محاربة العثمانيين بالاسلحة التقليدية مثل السيف والرمح والمنجنيق، وطالبه باستخدام البارود مثل العثمانيين الا انه لم يستمع لنصائحه، وكانت النتيجة هى احتلال السلطان العثمانى سليم الاول لمصر بعد موقعتى الريدانية ومرج دابق، وعندما علم بشخصية الزينى عينه محتسبا على مصر لخبراته الكبيرة وخوفا من تأليب المصريين والمماليك ضده.
الرئيس الأمريكى أوباما.. يسير اليوم على خطى الزينى بركات بن موسى بعد انكشاف فضيحة التجسس على 35 من زعماء العالم ومراقبة هواتفهم ،والمثير ان قائمة الرصد والتجسس تضم اكبر حلفاء امريكا مثل اسرائيل وألمانيا وفرنسا واسبانيا، والأكثر إثارة أن اوباما يعتبر ان جمع المعلومات مسألة مطلوبة لحماية الأمن القومى الامريكى، وليس لإثبات قدرة الولايات المتحدة على جمع المعلومات. وقد تفاوتت ردود الأفعال على الفضيحة الامريكية بين الادانة والاستنكار فى معظم عواصم العالم.
أغلب الظن ان التجسس الأمريكى على العالم لن ينتهى، ولن يفرق بين الاصدقاء والأعداء، فى وقت يبدو فيه القطب الامريكى مهدد بفقدان عرشه كقطب عالمى أوحد، وليس ادل على ذلك من قبول الحوار مع طهران وإلغاء ضرب سوريا والاكتفاء بالتفتيش على الاسلحة الكيماوية وتفكيكها والانحياز الى الاخوان فى مصر قبل ثورة 30 يونيو وبعدها، والتخبط فى قضية الموازنة والديون الامريكية بعد إقرار أوباما برنامج الرعاية الصحية والصدام مع الكونجرس.
واذا كانت مصر قد حذرت ألمانيا من فضيحة التجسس الامريكية كما نشرت الصحف مؤخرا، فإن نظم الأمن والمعلومات فى الداخل المصرى بحاجة الى ثورة اخرى ابسطها تركيب كاميرات مراقبة فى الشوارع والميادين والمتاحف والمساجد والكنائس لحمايتها من الارهاب الاعمى بعد سقوط الإخوان، كما يجب تحديث أجهزة الاتصال لدى المؤسسات الأمنية الكبيرة لكى تواكب التحديث ولحمايتها من الاختراق سواء من أمريكا أو غيرها.