بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الأرصفة للإشغالات.. والشارع للمواطنين

احتلال أملاك الدولة

بوابة الوفد الإلكترونية

 

 

المقاهى والبرجولات فى «القبة والزيتون والشرابية».. والمخالفات بجوار مكتب رئيس الحى

معارك يومية بين السكان والعمال بسبب الدخان والضوضاء ولا مجيب

 

فى شوارع القاهرة، لا يحتاج اللص إلى سلاح.. يكفيه طاولة، وكرسى، و«شيشة»، وسند خفى من موظف حكومى «غائب حاضر».. الأرصفة تبتلع على عين الحكومة، والطرقات تقسم بالمتر، والمواطن يدفع إلى نهر الطريق كأنه عبء زائد على حكومة لا يعترف إلا بمن يدفع أو يفرض نفسه بالقوة.

من الشرابية، حيث يعبر المارة بين الميكروباصات والكارو لأن الأرصفة سرقت تحت عين موظف الإشغالات، إلى الزيتون، حيث لا وجود يذكر للرقابة سوى فى التصريحات الساخرة، إلى حدائق القبة، حيث قمة اللعبة.. هناك تبنى المخالفات بجوار مكتب رئيس الحى، ولا يتحرك له ساكن، لأنه لا يوقع، ولا يأمر، لكنه يرى، ويصمت، ويبتسم.

فى حى حدائق القبة، لا تدار المخالفات بعشوائية، بل بدهاء، رئيس الحى لا يوقع على مخالفة، لكنه يرى «البرجولات» تبنى، والمقاهى تحتل الرصيف، والشارع ينتزع من الملكية العامة، ثم ينظر للكاميرات كأن شيئاً لم يكن، لا يأمر بالإزالة، ولا يسجل محضراً، لكنه يمر يومياً من أمام الجريمة ويتجاهلها كأنها سراب، هذا ليس إهمالاً، بل مكر إدارى لا يترك بصمته، ويصعب محاسبته.. إلا إذا استيقظت الدولة.

التحقيق التالى ليس عن كراسى مقهى أو طاولة شيشة، بل عن أحياء تحكمها «عصابات محلية» متنكرة فى زى موظف عام، وعن مدن تدار بالصفقات، لا بالقانون، وعن شوارع تحولت إلى عقارات مؤقتة تستباح ليلاً فى غياب صوت الدولة.

فى ظل هذا الصمت، المواطن يسحق، والقانون يدهس، والفساد يبتسم، فهل من رجل دولة يعلن: «أرصفة المواطن ليست للبيع؟».

الشرابية تختنق..

فى واحد من أبرز مظاهر الفوضى وغياب المحاسبة، تحولت شوارع حى الشرابية إلى ساحات احتلال علنى للأرصفة، حيث تتقاسم المقاهى مساحات المشاة، وتفرض سطوتها على الرصيف دون رادع، فى ظل صمت تام من موظفى الحى، لا سيما قسم الإشغالات، الذين بات وجودهم مجرد ديكور على مقاعد المقاهى نفسها.

خلال جولة ميدانية استجابة لشكاوى متكررة من أهالى المنطقة، رصدت «الوفد» حجم المأساة التى يواجهها المواطن يومياً أثناء تنقله فى شوارع مثل «حسني»، و«الجورن»، و«سور الفرز»، و«الشركات»، حيث أصبحت الأرصفة مشغولة بالكامل بكراسى المقاهى وطاولاتها، بينما يجبر المواطنون على السير فى وسط الطريق، وسط تدافع عربات الكارو، وقيادة متهورة من سائقى الميكروباص العشوائى.

وتفاقمت الأزمة بعد أن تمادى بعض أصحاب المقاهى، فقرروا تجاوز الأرصفة، واحتلال جزء كبير من الطريق المخصص للسيارات، ما أدى إلى شلل مرورى فى بعض الفترات، وتكدسات خانقة تعوق حركة السير، وتحرم السكان من أبسط حقوقهم فى التنقل الآمن، ليجد المواطن نفسه محاصراً ما بين الرصيف المسلوب والطريق المغتصب.

يقول محمد إسماعيل، 55 عاماً، من سكان المنطقة، «أنا رجل مريض قلب، كل مرة أخرج فيها من البيت أجد الكراسى تغلق الرصيف، ولابد أن أدور حولها وأنزل فى منتصف الشارع، أنا أواجه خطر الموت يومياً، والحى عارف وساكت، كأن المواطن بلا قيمة، محتاجين نعرف ماذا فعل رئيس الحى الجديد وما الفرق بينه وبين القديم وأين نزوله فى الشارع وسماع معاناة أهالى الدائرة ارحمونا إحنا بنموت فى صمت».

ويضيف عامر سيد، 42 عاماً، «والدتى عندها جلطة فى الرجل، والمشى بالنسبة لها لازم يكون على الرصيف، لكن كيف؟ وهو من المستحيل، الرصيف محتل بالكامل من المقاهى، وكمان الموظفين جالسين لتناول شاى وسط الكراسى كأنهم ضيوف شرف على الفوضى، احنا بنموت بالبطيء أرحنا يا وليد عبد المنعم، رئيس حى الشرابية، أنا أمى عاجزة ومحتاجة تمشى فوق الرصيف».

الأهالى يؤكدون أن موظفى الإشغالات يرون المخالفات بأعينهم، بل ويتواجدون أمام المقاهى ذاتها دون اتخاذ أى إجراء ، وهو ما يثير تساؤلات خطيرة حول احتمالية وجود تواطؤ أو تقاضى مبالغ مالية نظير التغاضى عن احتلال الملكية العامة.

الأزمة تتجاوز مجرد مضايقات، لتتحول إلى تهديد حقيقى لحياة المواطنين، خاصة الأطفال وكبار السن وذوى الاحتياجات الخاصة، الذين يجدون أنفسهم مجبرين على السير وسط الزحام والطرقات، فى غياب الحد الأدنى من الأمان.

يطالب أهالى الشرابية بتدخل عاجل من محافظ القاهرة إبراهيم صابر، لإعادة الانضباط لشوارع الحى، وتفعيل الرقابة على أداء قسم الإشغالات، وتحويل المسؤولين عن هذا التواطؤ إلى التحقيق الفورى، مؤكدين أن صمت الدولة فى مواجهة هذه التجاوزات يفتح الباب أمام فوضى أكبر لا يمكن السيطرة عليها لاحقاً.

المخالفة على أنقاض القانون

أما فى حى حدائق القبة، فالمشهد تجاوز حدود الفوضى إلى الجريمة العلنية بحق أملاك الدولة، ففى جولة ميدانية رصدت «الوفد» تعدياً صارخاً من إحدى المقاهى، لم تكتف باحتلال الرصيف، بل أقدمت على بناء هيكل ثابت على «ضوائع تنظيمية» وشارع مملوك للدولة مخصص لسير المواطنين، فى انتهاك صريح لقانون البناء رقم 119 لسنة 2008، ومخالف لكافة تعليمات وزارة التنمية المحلية بشأن حماية الأملاك العامة.

والكارثة الحقيقية أن هذه المخالفة الجسيمة تمت على بعد أمتار معدودة من مكتب رئيس حى حدائق القبة المكيف، الذى اختار الصمت وترك حق المواطن والقانون يدهس تحت أرجل الكراسى والطاولات، فى مخالفة تقع أمام موقف أتوبيس حيوى يخدم آلاف المواطنين يومياً.

التقصير هنا لم يعد مجرد إهمال، بل يعد شبهة تواطؤ يعاقب عليها القانون، وفقاً لما نص عليه قانون العقوبات فى مادته رقم 123 التى تجرم امتناع الموظف العام عن أداء عمل منوط به، ووفقاً للواقع، فإن رئيس الحى لم ينفذ واجباته فى حماية أملاك الدولة أو إزالة التعديات حتى الان، بل تركها تنمو فى ظل سلطته، الأمر الذى يستدعى فتح تحقيق عاجل من قبل وزيرة التنمية المحلية الدكتورة منال عوض، والنيابة الإدارية لمحاسبة كل مسؤول تهاون أو تستر على هذه المخالفات.

إذا كانت المخالفات تبنى على مرأى ومسمع من رئيس الحى، وعلى أرض مملوكة للشعب، فالسؤال الذى يفرض نفسه، هل ما زال فى القانون ما يطبق؟ أم أن كرسى رئيس حى حدائق القبة أقوى من الدولة؟

وفى ميدان حدائق القبة، خلف فرع البنك الأهلى، لم يعد الشارع ملكاً عاماً، بل أصبح امتداداً لمقهى يمارس احتلاله للرصيف وللمكان وللساكن وللقانون، دون أدنى رد فعل من مسؤولى حى حدائق القبة، تبدأ الجريمة عند غروب الشمس، ولا تنتهى إلا عند بزوغ الفجر، وسط صرخات الأهالى من ضجيج الشيشة، ودخانها الذى يخنق الصدر، والإزعاج الذى يحول البيوت إلى ساحات معركة يومية.

تقول ناهد محمد، 43 عاماً، وهى إحدى سكان المنطقة، «أنا ساكنة فى شقة تمنها أكتر من 2مليونى جنيه، ومن حقى أعيش بأمان وراحة، لكن ما يحدث استنزاف لأعصابنا كل ليلة، ورغم الشكاوى، موظفى الحى نائم أو متواطئ، لا نجد أى حماية ولا احترام».

وتتابع بمرارة، «المقهى لم يحتل الرصيف فقط، لا.. بل بنى برجولة كاملة عليه كأنه امتلكه، والكارثة أن هذا كله يحدث امام رئيس الحى من غير أى اعتراض».

وفى شارع «ولى العهد»، أمام مسجد الشيخ غراب، تتكرر الكارثة بشكل أكثر فجاجة، المقهى هناك استولى على الرصيف «احتلالاً صريحاً»، وبنى حواجز حديدية تقيد حركة المارة، وتجعل من الرصيف سجناً مغلقاً باسم المصلحة الخاصة، الأخطر أن هذا الشارع يعد الطريق الرئيسى الذى يسلكه رئيس حى حدائق القبة يومياً إلى مكتبه المكيف، دون أن يحرك ساكناً أمام هذا التعدى السافر على أملاك الدولة.

هذا الصمت المريب لا يمكن تفسيره إلا فى إطار تواطؤ إدارى مرفوض قانوناً وأخلاقياً، فحين تشن حملات شكلية على بائع بسيط يفترش الأرض ليأكل لقمة عيشه، ويترك أصحاب المقاهى المعتدين على الممتلكات العامة دون مساس، فإن المعادلة باتت مقلوبة، والعدالة غائبة، والسلطة المحلية متورطة بصمتها أو تقاعسها أو تورط بعض موظفيها.

أين محافظ القاهرة؟ وأين نائبه الذى يخدع بحملات استعراضية على الفئات الأضعف، بينما تترك «مافيا» المقاهى تقسم أراضى الدولة كأنها غنائم حرب؟ من المسئول عن تحويل شوارع العاصمة إلى مزارع خاصة لمن يملك الشيشة والكرسى والبرجولة؟، إن استمرار هذه الفوضى دون محاسبة صارمة، هو وصمة عار فى جبين الإدارة المحلية، ويضع المسؤولين تحت طائلة القانون والمساءلة الشعبية.

حى الزيتون خارج الخدمة.. والمواطنون محاصرون بين كراسى المقاهى والعصارات

فى مشهد يتكرر يومياً دون أدنى تدخل من مسئولى الحى، تحولت شوارع حى الزيتون إلى ساحة احتلال كامل للأرصفة من قبل المقاهى ومحلات العصير، وسط صمت مريب من إدارة الإشغالات واختفاء تام للحملات الرقابية على الشوارع لرفع المخالفات والتصدى للتعديات.

فى جولة ميدانية لـ«الوفد»، رصدت مخالفات واضحة فى شارع ترعة الجبل بجوار مصلحة ضرائب الزيتون، ومقهى بجوار «الفرجاني»، ومقهى آخر بجوار مغالق الخشب بنفس الشارع، إضافة إلى مشاهد مشابهة فى شارع نصوح، وشارع سليم، وأسفل كوبرى سنان.

جميع هذه المواقع تشهد احتلالاً دائماً للأرصفة على مدار 24 ساعة، ما يحول حياة المواطنين إلى جحيم، ويجبرهم على السير وسط السيارات معرضين أرواحهم للخطر.

تقول الحاجة عبير محمد، 67 عاماً، من سكان شارع سليم، «المحلات محتكرة الرصيف والناس قاعدة بالكراسى والطربيزات ونحن ننزل الشارع بالعكاز وسط العربيات.. لا أحد يهتم بنا ولا الحى المسؤل يمر وكأننا لسنا موجودين».

ويضيف شريف سيد، موظف وأب لطفلين، من سكان ترعة الجبل، «كل يوم بمشى بأولادى فى وسط الطريق.. الكراسى تملأ الرصيف والشيشة شغالة، والمحافظة نايمة، فين رئيس الحى؟ فين الإشغالات؟ هذا شارع رئيسى الاطفال بتصدمها العربيات والتكاتك ارحمونا من العشوائية والفوضى».

وتؤكد «أم محمد»، من شارع نصوح، «إحنا بنستغيث بمحافظ القاهرة، لا يوجد دور رقابى فى الزيتون، الشارع اصبح مشاع للناس التى لديها مقهى أو عصارة، وفى السياق ذاته يطالب الأهالى بضرورة إقالة المسؤولين المقصرين، والتحقيق فى غياب الرقابة، وإعادة الشارع للمواطن، لأن الصمت على هذه الفوضى جريمة لا تقل عن التعدى ذاته.

«هى مصر كلها مفيهاش إشغالات غير الزيتون؟».. رد رسمى أم تهكم على المواطنين؟

فى رد أثار استياء أهالى حى الزيتون، قال مدير الإشغالات: «هو يعنى مفيش إشغالات غير فى الزيتون جرا ايه يا جماعة؟»، وهى عبارة فسرها المواطنون على أنها تهكم مباشر على معاناتهم، لا تليق بمسؤول يفترض به أن يدير أزمة لا أن يستخف بها.

وبعد شكاوى المواطنين بشأن التعديات اليومية على الأرصفة فى شوارع الزيتون، تواصلت «الوفد» مع خالد سعد، مدير إشغالات حى الزيتون، الذى اكتفى بالقول، «ابعتلى المخالفات، ونسق مع ضابط المرافق لتشكيل حملة»، وهو رد بدا كأنه تفريغ كامل للمسئولية على المواطن نفسه، وكأن مهمة الرصد والتحرك أصبحت خارج اختصاص الحى.

الأدهى، أن خالد سعد قلل من حجم الكارثة برد ساخر أثار غضب الأهالى، «هى مصر كلها مفيهاش إشغالات؟ اللى فيها إشغالات الزيتون بس يعنى ولا ايه؟»، تصريح يكشف عن رؤية مرتبكة لمفهوم الرقابة، وغياب تام للإحساس بخطورة ما يعانيه المواطنون فى شوارع الزيتون، التى تحولت بفعل الصمت الرسمى إلى مساحات مغلقة لصالح المقاهى وأصحاب المصالح الشخصية.

وفى محاولة أخرى للتنصل، ألقى المسؤول الكرة فى ملعب المرافق، مضيفاً، «معايا اتنين موظفين بس، ورئيس الحى طلب دعم من المحافظة أجيب منين» ثم حاول إبعاد المتابعة الميدانية عن المسئولية قائلاً: «المتابعة ليها شغلها.. والإشغالات ليها شغلها وانا هبقى اشوف ضابط المرافق».

فهل هذه ردود تطمئن المواطن؟ أم تعكس حالة ترهل إدارى مزمنة، الشارع يصرخ، والمعاناة يومية، والإشغالات تزداد، بينما المسئولون يتبادلون الأعذار، ويتجاهلون أصل المشكلة، غياب الإرادة، لا غياب الأفراد.