بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

من سربرنيتسا إلى غزة


 


إن ما يحدث في غزة ليس مجرد مأساة فلسطينية، بل هو امتدادٌ تاريخي لمآسٍ عايشها المصريون على أرضهم، من مذبحة بحر البقر عام 1970، حيث استهدفت الطائرات الإسرائيلية مدرسة ابتدائية فقتلت ثلاثين طفلًا مصريًا بريئًا، إلى مجازر إعدام الأسرى المصريين في حربي 1956 و1967، التي لم يُحاكم عليها أحد حتى اليوم. الفارق الوحيد هو أن صور اليوم تنقل الجريمة لحظة بلحظة، وأن العدالة ما زالت مؤجلة، تنتظر أن يستيقظ ضمير العالم.

في الحادي عشر من يوليو، يحتفل العالم بيوم التأمل والذكرى لمجزرة سربرنيتسا التي وقعت عام 1995، والتي تُعد إحدى أفظع الجرائم في التاريخ الأوروبي الحديث. ففي أيام معدودة، قُتل ما يقرب من 8,000 رجل وطفل من مسلمي البوسنة على يد قوات صرب البوسنة بقيادة راتكو ملاديتش، رغم أن المدينة كانت مصنفة كـ"منطقة آمنة" من الأمم المتحدة. 
تلك المجزرة، التي استغرق المجتمع الدولي سنوات للاعتراف بها كجريمة إبادة جماعية، شكّلت نقطة مفصلية في مسيرة القانون الدولي الجنائي.

اليوم، ونحن نحيي الذكرى الثلاثين لسربرنيتسا، لا يمكن تجاهل الجريمة المستمرة في غزة. ما يحدث هناك منذ أكتوبر 2023 هو فصل جديد – لا يقل ظلامًا – من فصول الجرائم الجماعية، التي تُرتكب على مرأى ومسمع العالم. آلاف المدنيين الفلسطينيين، وبينهم آلاف الأطفال، قُتلوا في قصف ممنهج طال المدارس، المستشفيات، مراكز الإيواء، وحتى قوافل الإغاثة. صور الجثث تحت الأنقاض، والأمهات اللواتي ينادين أبناءهن في المخيمات، ليست مشاهدًا عابرة، بل أدلة ميدانية على جريمة تُصنّف ضمن أخطر الجرائم: جريمة الإبادة الجماعية.

الجنرال راتكو ملاديتش قاد حملة تطهير عرقي ضد مسلمي البوسنة بدوافع قومية وعنصرية. استُدعي إلى العدالة بعد قرابة عقدين، وحوكم أمام المحكمة الجنائية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY) بتهم القتل والاضطهاد والترحيل القسري، وحُكم عليه بالسجن المؤبد.

اليوم، بنيامين نتنياهو – بصفته رئيسًا لحكومة دولة تحتل أراضي الغير بالقوة، وتفرض حصارًا خانقًا، وتقود حملة عسكرية دموية ضد سكان مدنيين – يقف في موقع مشابه. فبحسب تقارير الأمم المتحدة، وهيومن رايتس ووتش، ولجنة التحقيق التابعة لمجلس حقوق الإنسان، هناك أدلة متزايدة على أن ما يجري في غزة يُشكّل نمطًا ممنهجًا من الانتهاكات التي قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية. واللافت أن محكمة الجنايات الدولية تلقّت فعليًا طلبًا من دولة جنوب أفريقيا للنظر في القضية بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة.

كان يفترض بسربرنيتسا أن تكون "الدرس الذي لن يُنسى". لكنها أصبحت، في مأساة غزة، مرآة تعكس العجز الأخلاقي والسياسي المتكرر. إذ لم تُردع القوات الإسرائيلية رغم التوثيق المستمر للجرائم، ولم يُفعّل المجتمع الدولي بعد أدوات المحاسبة الفعلية، بما فيها مذكرات توقيف دولية بحق المسؤولين المباشرين.

إن العدالة لا تكون بطيئة فقط، بل قد تصبح انتقائية، إذا لم يُكسر حاجز الصمت والتسييس. وهذا هو التحدي الذي يواجهه القانون الدولي اليوم: هل يجرؤ على تطبيق نفسه عندما يكون الجاني قويًا، ومتصلًا بتحالفات دولية نافذة؟

بصفتي عضوًا في IBA، ومع تقديري العميق لمواقف النقابة في دعم استقلال القضاء وسيادة القانون، أدعو زملائي حول العالم إلى عدم الاكتفاء بالتأمل في مآسي الماضي، بل إلى المبادرة الأخلاقية والمهنية لرفض التمييز في تطبيق العدالة.

يجب أن يكون صوت المحامي الدولي أعلى من مصالح الحكومات، وأن يكون مبدأ "لا إفلات من العقاب" شاملًا، غير انتقائي، وغير قابل للتأجيل.

فإذا كانت مجازر البوسنة قد نُسجت في الظلام ثم كُشفت بعد سنوات، فإن مأساة غزة تُرتكب تحت ضوء الكاميرا. 
ويبقى السؤال: هل نحتاج إلى ثلاثين عامًا أخرى لمحاكمة مجرمي اليوم؟ أم أن ضمير العالم سيتحرك قبل فوات الأوان؟

الأمين العام للإتحاد العربي لحماية حقوق الملكية الفكرية