بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية

«ما بعد الحداثة».. الوجهة الجديدة لفهم العالم

 

منهج ما بعد الحداثة هو تعميق لمنهج الحداثة، أو سرعة أخرى له، بمعنى أنه استمرار لمنطق الحديث، حيث يغدو نقدًا مستمرًا له. وهنا قد يحق لنا أن نتساءل: إذا كانت الكلمة اللاتينية Modernus (حديث) قد ظهرت في القرن الخامس الميلادي، والكلمة الفرنسية Modernité (حداثة) قد ظهرت بعد ذلك بحوالي عشرة قرون، فمتى ظهرت الحداثة كتعبير عن رؤية خاصة للوجود والفكر والمجتمع؟ ومتى اختفت أو سوف تختفي؟ وهل حقًا نعيش اليوم عصر ما بعد الحداثة؟ وما هي علامات هذه المرحلة؟

عزيزي القارئ، تقوم "الحداثة" على الإيمان بالعالم الطبيعي، باعتباره العالم الذي يجب أن تنصرف إليه الذات لمباشرة نشاطها، وتكوين معرفتها المتراكمة الناتجة من الاحتكاك به، واستخدام هذه المعرفة في السيطرة على قوي الطبيعة واستغلال مواردها كما تقوم الحداثة على الإيمان بالإنسان باعتباره معيار الأشياء جميعًا وسيد قراره بالإضافة إلى الإيمان بالعقل باعتباره من أهم سمات الإنسان ومصدر قوته وتفرده. وماذا عن ما بعد الحداثة؟

صديقي القارئ، إنّما بعد الحداثة Postmodernism أشبه بمزاجٍ أو حالة فكرية أكثر منها حركة بالمعنى التقليدي. يطوّر كتّاب مختلفون جوانب متعددة من هذا المِزَاج أو الرؤية التي تثير شكوكًا عميقة حول مشروعات الحداثة، وبوجه خاص مشروع التنوير. فقد تخلى معظم مفكري ما بعد الحداثة عن مسعى التنوير نحو الحقيقة المطلقة؛ وفي هذا يتفق مفكرو ما بعد الحداثة مع ديوي (فيلسوف أمريكي، 1859 – 1952م). إنهم يقبلون ما يمكن تسميته بـ«الحقيقة المحلية» — أي الحقائق من النوع الذي قد نتفق عليه جميعًا إما بالملاحظات المشتركة أو عبر الأعراف المنهجية.

على سبيل المثال، قد نتفق جميعًا على أن كثيرًا مما يُنشر في الصحف اليومية — من نتائج المباريات الرياضية، وتقارير الحوادث، وإعلانات الوَفِيَّات والزواج — هو صحيح. وبالمثل، يقبل مفكرو ما بعد الحداثة بصحة القواعد الأساسية للرياضيات وبعض مسلّمات العلوم. ومع ذلك، قد تُعدّ هذه أيضًا محلية أو محدودة بمعنى أنها تنطبق على كيانات وأحداث نعرفها جيدًا إلى حد أننا لم نعد نفكر في نطاق تطبيقها. وربما هي فعلًا محلية، لكن محليتها واسعة جدًا حتى تبدو شبه كونية.

يمكنك أن ترى أن المشكلة التعليمية التي أُشير إليها سابقًا — وهي مسألة تقرير ما إذا كان ينبغي توفير نفس المنهاج لجميع الأطفال — قد يُنظر إليها بصورة مختلفة تمامًا إذا اتبعنا فكر منظرين نقديين مثل هابرماس أو فكر ما بعد حداثيين مثل دريدا. وسنتناول هذه المشكلة وغيرها بعمق أكبر في الفصل الخاص بالفلسفة الاجتماعية. في هذه المرحلة، ينبغي أن يتضح أن محاولة فرض منهاج موحّد على جميع الأطفال — مهما حسنت النية وراء هذا المسعى — تُعدّ من منظور ما بعد الحداثة حركة شمولية. إذ إنها، وفقًا لدريدا (فيلسوف التفكيكية) على الأرجح، تدمج جميع الأطفال على نحو غير ملائم (وغير أخلاقي) في نموذج نخبة حُددت معاييره بواسطة قلة حصرية.

وأخيرًا، نجد أعزائي القراء أن الفكر ما بعد الحداثي يرفض الاعتقاد بأن التاريخ أو المعرفة لهما اتجاه ثابت أو غاية نهائية.

[email protected]