بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حكاية وطن

مناسبات أم تشريع؟

فى السابق كان أعضاء مجلس الشعب ينقسمون إلى قسمين أو يحملون صفتين، القسم الأول انحازوا لصفة نواب المناسبات، والقسم الثانى اختاروا التشريع، وابتعدوا قليلاً عن الارتباط بالدوائر، وكان يطلق عليهم سكان البرج العاجى، والقسم الأول اختار أن يكون من أصحاب الإسكان المتوسط، وكان هدف كل من القسمين الوصول إلى عقل وقلب الناخب كل بطريقته عندما يكون القرار لأصحاب الأصوات المسجلين فى كشوف الناخبين.

التقسيمة التى لجأ إليها النواب جرت بطريقة عرفية وليست رسمية، كل نائب ارتمى إلى الفريق، ولكن غلبت على نائب العمال والفلاحين صفة نواب المناسبات، وغلبت على نواب الفئات صفة نواب التشريع، وظهر ذلك جلياً فى ظل الانتخابات التى كانت تجرى بالنظام الفردى أو بالجمع بين الفردى والقائمة النسبية.

هذا النوع من النظام للانتخابات كان يجبر النائب الذى يريد الحصول على ثقة الناخبين مرة أخرى تقديم كشف حساب لأهالى الدائرة بعد انتهاء الفصل التشريعى عندما يذهب لدعوتهم لانتخابه، فى الغالب كان نواب المناسبات يكسبون ويحصلون على الدرجات العالية من تقييم الناخبين لأنهم تفرغوا طول الفصل التشريعى لحضور المناسبات التى كانت تسعد أهالى الدائرة عندما يهل عليهم النائب محاطاً بالحاشية وأبناء العائلة خاصة إذا كان صاحب المناسبة رقيق الحال، ويفاجأ بأن سيادة النائب يأخذه بالأحضان والقبلات على طريقة الفنان جميل راتب فى فيلم «طيور الظلام». أحياناً تكون المجاملات من قبيل الإنسانية وأحياناً أخرى تتم على طريقة «الشىء لزوم الشىء»، تتم على طريقة الأحضان مقابل الأصوات.

فى مناسبة جمعتنى مع أحد نواب المناسبات اكتشفت أنها مهمة صعبة للغاية عندما روى لى عن جدول أعماله خلال يومى الخميس والجمعة بعد أن التقيته يوم السبت فى مجلس الشعب، قال لى وهو نائب من الأرياف، إنه يوم الخميس ذهب إلى سرادق عزاء «ولد أبوإبراهيم» واستقبله أولاده، وبعد خروجه من العزاء مر على «أبوشربات» ليقدم له التهانى بخطوبة «شربات» وبالمرة زار «زوجة عربى» فى المستشفى لأنها كانت على وشك الولادة، وعاد إلى البيت منهكاً فاكتشف أن بعض المواطنين فى انتظاره اعتاد على مساعدتهم فعزم عليهم بالعشاء فقبلوا، وكان كل منهم يحمل مشكلة خاصة به واستلم منهم الطلبات ووعدهم بتوقيعها من الوزراء المختصين، وطلب منهم المتابعة مع سكرتيره أو مدير مكتبه لاستلامها، وفوجئ النائب كما قال لى صباح يوم الجمعة بـ«الحاج عربى» يخبره بأن زوجته أنجبت مولودها فى المستشفى، وتمر بحالة صحية تحتاج إلى الحجز فى غرفة خاصة ونقل المولود إلى حضانة، فذهب إلى المستشفى لإنهاء الإجراءات وقدم النقطة للمولودة الجديدة.

وفى المساء ذهب إلى مناسبة صلح بين عائلتين بعد أن أكلت نيران الثأر بعض شباب العائلتين، وتكللت المساعى بالنجاح بعد مرور عدة سنوات من تربص لكل أفراد عائلة بالأخرى، وكان يرسل أفراد عائلته للمتنازعين، وتدخلت المحافظة وأجهزة الأمن وتم الصلح، وفى صباح السبت قرر التوجه إلى مجلس الشعب لاستلام جدول أعمال الجلسات التى ستبدأ الأحد. وكان فى انتظاره أمام البوابة بعض المرضى الذين يحتاجون قرارات علاج على نفقة الدولة فأنهى لهم مشاكلهم ودخل المجلس وارتمى فى البهو الفرعونى لالتقاط أنفاسه وعندما كان يتباول كأسا من الليمون رنّ تليفونه وكان يعتقد أن الذى يطلبه صاحب مشكلة من أبناء الدائرة فتركه يرنّ، ويعاود الرنّ حتى ضاق وألقى بكأس الليمون على الأرض، وهرول خارج المجلس لا يعرف إلى أين يذهب، قاطعته قائلاً: ما قمت به يكتب فى ميزان حسناتك، فهى كلها أعمال إنسانية، ولكن أنت هدفك هو أصوات هؤلاء، فأين النائب الذى حدد الدستور دوره؟

بحثت عن نائب التشريع لأعرف الفرق بين فريق حصر دوره فى الأفراح والأحزان، وبين فريق قرر أداء دوره الذى رسمه له الدستور وهو التشريع والرقابة ومناقشة الموازنة، فوجدت رئيس حزب معارض، وهو بالمناسبة كان عضواً فى اللجنة التشريعية بمجلس الشعب يقول فى جلسة خاصة قبل بدء أعمال اللجنة إنه عندما قام فى أحد الانتخابات بجولات فى دائرته للالتقاء بالناخبين ودعوتهم لانتخابه وقال لهم إنه نائب تشريع، ولن يقبل أن يتحول إلى حامل حقيبة يدور بها على مكاتب الوزراء وأن يكون «معدِّدة» تذهب إلى الجنائز من أجل الأصوات، وأنه يفرق بين الواجب الاجتماعى الذى يؤديه فى حدود احترامه لدوره، ولن يكون مستجدياً للأصوات، ويترك الحكم لأدائه تحت القبة، ففوجئ بأن الناخبين قالوا لهم متشكرين ماتنفعناش، وسقط فى الانتخابات!!

الناخبون يحتاجون إلى المزج بين صفتى النواب المجاملين فى المناسبات، والأداء تحت القبة مطلوب أيضاً، مطلوب المزج بين الطبطبة، وممارسة السلطة التى كفلها الدستور.