حين يتحول المريض إلى مشروع استثماري
في بلد يُفترض أن الطب فيه رسالة قبل أن يكون مهنة، تحولت العلاقة بين بعض الأطباء ومراكز التحاليل والأشعة إلى تحالف مشبوه، قائم على الجشع والمصالح المتبادلة والضحية الوحيدة فيه هو المريض الذي يدفع من صحته قبل جيبه.
هل سمعتم عن نسبة الطبيب في الأشعة والتحاليل؟ نعم هناك من الأطباء من لا يرسل مريضا إلى معمل تحاليل أو مركز أشعة إلا إذا كان بينه وبين المركز علاقة سواء علاقة شراكة أو نسبة في الأرباح، نسبة الـ10% أو 15% أو حتى 30% التي تعود إلى الطبيب بعد كل تحليل أو أشعة.
هنا لا مكان للطب ولا حديث عن ضمير فكل شيء يُقاس بالعمولة، الطبيب لا يبحث عن أفضل معمل يقدم نتائج دقيقة، بل عن أقرب شريك أو مصدر دخل إضافي، والأدهى من ذلك، أن بعض الأطباء باتوا شركاء فعليين في مراكز التحاليل أو الأشعة، ببطاقة رقم قومي أو بأخرى، والنتيجة؟ وصفات طبية مملوءة بطلبات تحاليل لا لزوم لها وأشعة تُطلب من باب التكملة، وخدمات تُعاد مرتين وثلاثا فقط لإرضاء فاتورة النسبة.
المشكلة لم تعد فقط في "العيادات الخاصة، بل تسللت إلى المستشفيات التي ترفع لافتة الدولة فوق أبوابها، هناك ستجد طبيب الامتياز يُطلب منه أن يجهز المريض للتحويل أو أستاذ الجامعة الذي يصر على أن تكون التحاليل في مركز معين ، هل يعقل أن يقف المريض بين مطرقة المرض وسندان المصالح؟ هل يُعقل أن يتحول الطبيب من منقذ إلى متربح بحجم الفاتورة ؟
ليست كل المراكز مشبوهة، وليست كل الأطباء تجارا ولكن الحقيقة المُرة أن الظاهرة تتفاقم، وأن المنظومة الصحية في خطر إذا لم يتم قطع هذا الحبل السري الفاسد بين بعض الأطباء وتلك الكيانات التجارية المُقنّعة بالرداء الأبيض.
وزارة الصحة أين أنت؟ نقابات الأطباء لماذا الصمت ؟ هل أصبحت الأخلاقيات بندا تافها في ميثاق المهنة؟ ما يحدث ليس فقط فسادًا مهنيا بل خيانة أخلاقية للناس البسطاء الذين يثقون في الطبيب كملاذ أخير للرحمة، الطب مهنة تُمارس بالعقل والضمير لا بالعمولات وما لم يُحاسب المتورطون في هذه العلاقة غير النظيفة، فسنستيقظ يومًا لنكتشف أن الطب قد مات ،وأن كل ما تبقى لنا مجرد فواتير وبقايا ضمير.