تأملات فى إبداعات شكسبير ومارلو
درستُ فى بداية مشوارى الأكاديمى شكسبير (1564-1616) بصفتى طالبًا فى الأدب الإنجليزى، فكانت نصوصه بوابتى الأولى إلى عوالم المسرح الإليزابيثى وسحر الشعر الدرامى الذى يلتقط تناقضات النفس البشرية بمهارةٍ آسرة. ثم تعرّفتُ بعد ذلك إلى كريستوفر مارلو (1564 —1593 )، فإذا بى أمام صوتٍ شعريٍّ يختلف فى وهجه وحدّته؛ صوتٍ جريءٍ يتوهّج بطموحٍ يكاد يلامس المستحيل. بدا لى شكسبير أشبه بنهرٍ واسعٍ متدفّق، هادئ السطح وعميق الأغوار، بينما تجلّى مارلو كعاصفةٍ خاطفة تثير الدهشة ثم تهدأ فجأة. وبين هذا الاتساع وذلك الاندفاع، انفتحت أمامى آفاقٌ أرحب لفهم جوهر الإبداع الدرامى فى تلك الحقبة الخصبة من تاريخ الأدب الانجليزى.
كان كريستوفر مارلو نجمًا شهابًا فى زمانه: متألّقًا، متمرّدًا، كأنما خُلِق ليفنى فى وهج مباغت. ابن إسكافى من كانتربرى، ارتقى مارلو سلّم العبقرية بسرعة مذهلة، وكتب مآسى تلتهب بطموح بروميثى جسور. ففى «تامبرلين» و«دكتور فاوستوس» و«يهودى مالطة» نسمع صدى الرعد الأدبي؛ أبطاله يجتاحون الخشبة كعمالقة يتحدّون الاقدار. كان شعره كالمعدن المنصهر، يُطرق فى أبيات تنبض بالقوة والعنفوان. إبداعه كان بركانًا: متفجّرًا، غامضًا، وخطرًا فى آن.
على النقيض، بدا وليم شكسبير كالسنديانة العتيقة، جذورها ضاربة فى تُربة ستراتفورد أبون آفون. روحه الإبداعية تفتّحت ببطء، لكنها لم تكن أقلّ عمقًا. تزوّج شابًا، وأنجب ثلاثة أبناء، ووازن بين فنه وحياته العملية. عمل ممثّلًا وكاتبًا وشريكًا فى فرقة «رجال اللورد تشامبرلين»، وجمع المجد الأدبى والاستقرار المالى فى آنٍ معًا. شعره يتنفس تعاطفًا إنسانيًا، يلتقط الملوك والمهرّجين فى شِباك خياله الرقيق. عالمه يزخر بالتوازن: حبّ يجاوره موت، طموح يُخفّفه شك، ومأساة تُضيئها لمحة من التراحم.
أما فى الطباع، فهما كالكهرباء والضوء الهادئ: مارلو، الذى قيل إنه جاسوس للتاج، عاش على حدّ السكين؛ جريئًا، نزِقًا، لا يخشى الخصومة. وانتهى به الأمر قتيلًا فى شجار حانة، بطعنة خنجر بسبب خلاف تافه. بينما مضى شكسبير بخطى الرجل الحكيم، وبصبر الشاعر، يتجنب العواصف بحنكة.
لكن، لو امتدّ العمر بمارلو، أكان ليتفوّق على شكسبير؟ يبقى السؤال معلقًا كوتر قيثارة انقطع قبل أن يُتمّ نغمته. كان خيال مارلو يشتعل بقوة خام؛ ولو صقلته سنوات النضج، لربما أبدع مآسى أعمق وأشدّ وهجا. لعلّنا كنّا سنرى أبطاله المارقين وقد هذبتهم حكمة العمر.
فى النهاية، الفارق بينهما ليس فى الموهبة وحدها—فالعبقرية أغدقت على كليهما بلاحساب—بل فى الطبع والمصير. أعمال شكسبير كفراديس شاسعة: دقيقة التفاصيل، تحتضن تناقضات الروح البشرية. أما مارلو، فإبداعاته بارود ضربته صاعقة فصار لهيبا مهيبًا فى عظمته، لكنه سرعان ماخبا وانطفأ.
معًا، رسما روح الدراما الإنجليزية: هذا بحياته الطويلة التى جسّدت اتساع التجربة الإنسانية، وذاك بوميضه الخاطف المبهر. وفيهما نرى وجهَى العبقرية: المبدع الصبور والمتمرّد المتوهج.