بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

حكايات «المهمشين» من الطرد إلى التحرش.. الوجه الآخر للعمل بالمنازل

قانون «العمالة المنزلية» أمل على أعتاب البرلمان

بوابة الوفد الإلكترونية

«السيسى» يكلف الحكومة بالإسراع فى التنفيذ.. و«العمل» تشكل لجنة لوضع البنود

القانون: غياب العقود يحرم العمال من أبسط الحقوق

مستشار أسرى: التقدير والاحترام أول خطوة لتحسين أدائهم النفسى 

خلف أبواب المنازل المغلقة، يعمل آلاف الرجال والنساء فى صمت ضمن قطاع يُعد من أكثر القطاعات تهميشًا فى سوق العمل المصرى، هؤلاء هم العمالة المنزلية، يؤدون مهامًا حيوية كالتنظيف والطهى ورعاية الأطفال وكبار السن، يواجهون يوميًا تحديات قاسية ناتجة عن غياب أى غطاء قانونى ينظم أوضاعهم، ما يجعلهم عرضة لسلسلة من الانتهاكات تتنوع بين تأخير الأجور والعمل لساعات طويلة دون راحة، وحرمانهم من الإجازات، وأحيانًا الطرد الفورى دون إنذار أو تعويض.

وفى خطوة لافتة، أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال كلمته فى احتفالية عيد العمال، التى استضافتها شركة السويس للصلب بمدينة السويس، التزام الدولة بدعم حقوق العمال وتهيئة بيئة عمل عادلة ومستقرة. وأعلن الرئيس عن توقيعه الرسمى على قانون العمل الجديد، واصفًا إياه بأنه «نقلة نوعية فى مسار تعزيز الحقوق العمالية» لما يتضمنه من ضمانات واضحة لحماية العاملين، وتعزيز مفاهيم العدالة والإنصاف الوظيفى.

وفى لفتة تحمل أملًا لفئة طال انتظارها للاعتراف القانونى، كلف «السيسى» الحكومة بالإسراع فى إعداد قانون ينظم أوضاع العمالة المنزلية، مشددًا على ضرورة إطلاق حوار مجتمعى واسع يضمن توافق هذا القانون مع احتياجات الواقعين الاجتماعى والاقتصادى، بما يحقق التوازن بين أطراف العلاقة العمالية.

كما دعا الرئيس إلى توسيع مظلة الحماية الاجتماعية للعمالة غير المنتظمة، بما يشمل صرف إعانات فى حالات الوفاة، لضمان حد أدنى من الأمان المعيشى لتلك الفئة المهمشة. كما وجّه بتنفيذ مبادرة قومية لتنمية مهارات الشباب من خلال منح تدريبية مجانية، وتأهيلهم عمليًا وفقًا لمتطلبات سوق العمل الفعلية، بجانب تسريع إجراءات التقاضى فى القضايا العمالية لتمكين العمال من تحصيل حقوقهم دون معاناة بيروقراطية.

ورغم ما تمثله العمالة المنزلية من ركيزة أساسية فى حياة ملايين الأسر المصرية، فإن غياب تنظيم قانونى واضح يتركهم فى دائرة الاستغلال القانونى والاجتماعى، فلا توجد عقود رسمية تضمن حقوقهم، ولا آليات فعّالة لحمايتهم أو الإنصاف لهم حال وقوع نزاع. وتبقى هذه الفئة، التى تؤدى دورًا محوريًا فى تيسير الحياة اليومية، هى الطرف الأضعف فى علاقة عمل لا تعترف بها التشريعات بعد، ما يجعل من أى تحرك تشريعى حقيقى ضرورة ملحّة لا تحتمل مزيدًا من التأجيل.

«معاناة»

معاناة حقيقية يعيشها العاملون فى هذا الحقل، وتختلف أشكال هذه المعاناة من شخص لآخر ولكنهم يشعرون جميعا بالألم، والقصص الواقعية تعكس حجم هذه المعاناة، وكانت البداية من عند «أم نبيل»، 50 عاما، والتى قالت إنها عملت فى أحد البيوت لأكثر من عامين دون عقد أو تأمين، وكانت تبدأ يومها من السابعة صباحا حتى العاشرة مساء، دون إجازات أو أى امتيازات. وأضافت: كنت بشتغل فى صمت، وعمرى ما اشتكيت وفى يوم صحيت لقيت شنطتى مرمية برا الباب، قالولى خلاص مش محتاجينك، من غير حتى ما يدونى مرتب الشهر.

وحكت «منى»، 28 عاما، عن تجربتها فى عدد من المنازل، مشيرة إلى أن المعاملة لم تكن دائمًا إنسانية. وقالت: كنت باشتغل وأنا تعبانة، ولما قلت لـ«الست» إن ضهرى بيوجعنى، ردت وقالت لى: لو مش قادرة امشى، حسيت ساعتها إننا مش بنى آدمين، بس مش بإيدى، محتاجة الشغل.

وأضافت «فاطمة»، 35 عاما، أم لطفلين ومطلقة، أنها تضطر لقبول أى ظروف عمل لتأمين مصاريف أولادها، وأوضحت: فى ناس بيشغلونا من غير رحمة، حتى لو مريضة لازم أشتغل، ولو اتأخرت دقيقة، يخصموا من المرتب أنا باستحمل علشان أعيش، بس اللى بيحصل بيكسر كرامتنا.

وروت «أم حسن»، 42 عاما، من إحدى قرى الصعيد، تفاصيل معاناتها الأسبوعية فى التنقل للقاهرة للعمل فى البيوت. وقالت: بننام فى أوض ما فيهاش لا شباك ولا تهوية، ونشتغل طول اليوم، ولو حد زعل منا نترمى فى الشارع ونرجع بلدنا من غير ولا جنيه. لا تأمين ولا ورقة تثبت شغلنا.

وأوضحت «سعاد»، 24 عامًا، أنها بدأت العمل المنزلى بعد فشلها فى العثور على وظيفة رغم تخرجها من معهد متوسط. وحكت عن أول تجربة عمل لها قائلة: صاحب البيت اتحرش بيا، ولما حكيت لمراته قالت لى: أكيد فاهمة غلط مشيت من غير ما آخد حقى، ومفيش جهة ألجأ لها.

هذه القصص وغيرها تبرز بوضوح الأزمة التى يعانى منها العاملون فى هذا القطاع المهمش، ورغم الأمل الذى يطرحه وجود قانون جديد، يبقى الشك قائماً حول قدرته على تحقيق التغيير الحقيقى. وفقا لما قالته «أمينة» (35 عامًا)، عاملة منزلية: نأمل أن يحقق هذا القانون تغييرًا إيجابيًا فى حياتنا، لكننا نخشى أن يبقى مجرد حبر على ورق.

«القانون الأمل»

ويعد إصدار قانون العمالة المنزلية أملا لآلاف بل ملايين المواطنين العاملين فى هذا المجال، وهو القانون الأول من نوعه فى مصر، وفور صدور التوجيه الرئاسى فى احتفالات عيد العمال الأخيرة بدأت وزارة العمل فى تكثيف جهودها للانتهاء من مشروع القانون استعداداً لعرضه على مجلس النواب، وقامت الوزارة بتشكيل لجنة قانونية لإعداد مشروع القانون بمشاركة ممثلين عن المجلس القومى للمرأة، ووزارتى العدل، والشؤون النيابية للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة لمشروع القانون.

ويهدف القانون إلى تقنين أوضاع العمالة المنزلية، وإدماجها فى سوق العمل الرسمى، وتنظيم العلاقة بين العمال وأصحاب العمل عبر عقود قانونية، مع توفير التأمين الصحى والاجتماعى، كما يشمل عقوبات رادعة للمخالفين لضمان تطبيقه بشكل فعال.

كذلك يهدف المشروع إلى ضمان حقوق هذه الفئة، بما يتماشى مع معايير العمل الدولية والوطنية، كما يشمل مسودة تتضمن آليات قانونية لحماية العمال من الإصابات والأمراض المهنية، وتعزيز معايير السلامة والصحة المهنية.

«أصحاب العمل»

وفى الوقت الذى تنتظر فيه العمالة المنزلية هذا القانون بفارغ الصبر يرى بعض أصحاب العمل أن هذا القانون قد يزيد من الأعباء المالية عليهم، خاصة فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. إذ يقول «محمد»، رب أسرة: أنا مع ضمان حقوق العاملات، ولكن يجب أن تكون هناك آلية لتخفيف العبء المالى على الأسر ذات الدخل المحدود.

«التحديات الاقتصادية»

أما الخبراء فيرون أن التحديات الاقتصادية التى تواجه البلاد قد تؤثر على تطبيق هذا القانون، خاصة فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة إذ يعتبر البعض أن التوازن بين حقوق العمال ومصالح أصحاب العمل سيكون صعبًا إذا لم تُتخذ إجراءات رقابية فعالة.

وفى هذا الصدد، تقول المستشارة نهى الجندى المحامية إن العمالة المنزلية، مثل السائقين، حراس العقارات، أفراد الأمن، عمال الزراعة، وجليسات الأطفال وكبار السن، تُعد من أكثر الفئات تهميشًا فى سوق العمل، إذ غالبًا ما تعمل هذه الفئة بنظام العمل الحر دون أى حماية قانونية أو تأمينات اجتماعية. وأوضحت أن أغلب هؤلاء العاملين لا يحصلون على عقود عمل رسمية، مما يجعلهم عرضة للطرد دون مستحقات أو حماية قانونية.

وأضافت «الجندى» فى حديثها لـ«الوفد»: «فى حالة التعاقد مع هؤلاء العاملين من خلال شركات متخصصة، مثل شركات الأمن أو توفير العمالة، يحصل العاملون على عقود رسمية تحدد حقوقهم وواجباتهم وتوفر لهم حماية قانونية. أما فى الحالات التى يتم فيها الاتفاق مباشرة بين العامل ورب المنزل، فإن العامل غالبًا ما يفقد هذه الحماية، ومعظم العمالة المنزلية تعمل دون عقود، مما يؤدى إلى فقدانهم أى حقوق مالية أو قانونية فى حال حدوث خلافات أو إنهاء الخدمة».

كما أكدت «الجندى» أن غياب العقود يترك هذه الفئة فى وضع ضعيف للغاية، حيث يُنظر إلى أعمالهم كأعمال خفيفة لا تستدعى التوثيق القانونى، وهو أمر يحتاج إلى تغيير جذرى. وأشارت إلى أن هناك حاجة ملحة لسن قوانين خاصة لحماية هذه الفئة من الانتهاكات التى قد يتعرضون لها أثناء أداء أعمالهم.

وأشادت «الجندى» بمقترحات الدكتورة مايا مرسى وزيرة التضامن الاجتماعى بشأن قانون العمالة المنزلية، قائلة: «مشروع القانون خطوة إيجابية ومهمة جدًا لتحسين أوضاع العاملين فى المنازل، خاصة أن معظمهم لا يملكون عقودًا أو أى مستندات تثبت حقوقهم، مما يجعلهم عرضة للفصل التعسفى دون أى تعويض. إلا أن القانون الجديد سيمنحهم الحماية القانونية ويضع حدًا لهذه الممارسات».

لكنها فى الوقت نفسه حذرت من التحديات التى قد تواجه تطبيق القانون، مشيرة إلى أن بعض أرباب العمل قد يترددون فى إبرام عقود مع العمالة المنزلية أو الالتزام بدفع التأمينات الاجتماعية لهم. وأوضحت: «هناك حاجة إلى وضع آليات صارمة لإجبار أرباب العمل على الالتزام بالقانون، مثل تسجيل العمالة المنزلية فى التأمينات الاجتماعية وإلزام أصحاب العمل بالمساهمة فى تأمينهم، وهو ما سيعزز من حقوق هذه الفئة ويضمن بيئة عمل آمنة ومستدامة».

وأكدت المستشارة القانونية أن العمالة المنزلية هى جزء لا يتجزأ من المجتمع ولهم دور مهم، قائلة: «هؤلاء الأشخاص هم جزء أساسى من حياتنا اليومية، ولهم حقوق يجب احترامها، وأن مشروع القانون قادر على معالجة الانتهاكات السابقة وحماية هذه الفئة، لكن نجاحه يعتمد على جدية تطبيقه وتوعية المجتمع بأهميته».

«فقدان الأمان»

وأشارت الدكتورة نادية جمال، استشارى العلاقات الأسرية، إلى أن الظروف النفسية والاجتماعية التى تعيشها العمالة المنزلية تؤثر بشكل كبير على صحتهم النفسية وطريقة أدائهم اليومى. وأوضحت أن هذه الفئة تتعرض أحيانًا لضغوط نفسية واجتماعية ناتجة عن شعورهم بالتهميش أو قلة التقدير الاجتماعى. وقالت: «بعض العمالة المنزلية تعانى من معاملة غير لائقة أو عنف لفظى، ما يؤدى إلى إحساسهم بعدم الأمان الوظيفى والتوتر المستمر، وهو ما ينعكس سلبًا على أدائهم وسلوكهم».

وأضافت «غالبًا ما يلجأ العاملون إلى التصرف بشكل دفاعى أو محاولات لإظهار صورة مغايرة عن واقعهم لتحسين نظرة الآخرين إليهم. وهذا يخلق حالة من العصبية والضغط النفسى داخل بيئة العمل».

وشددت استشارى العلاقات الأسرية على أهمية أن يشعر العامل المنزلى بأنه جزء من الأسرة التى يعمل لديها، قائلة: «لابد أن نشعرهم بأنهم أفراد فاعلون ومهمون فى المجتمع والأسرة وأن التقدير والاحترام هما أساس بناء علاقة جيدة، خاصة أن هذه الفئة تقدم خدمات ضرورية ومهمة، وبالتالى يجب معاملتهم بطريقة تعزز من كرامتهم».

واقترحت «جمال» مجموعة من الإجراءات التى يمكن أن تعزز العلاقة الإيجابية بين أصحاب المنازل والعمالة المنزلية، مثل: إشراكهم فى المناسبات الأسرية كنوع من التقدير، وتقديم الدعم النفسى والمادى عند الحاجة، والحرص على فصل ساعات العمل عن أوقات الراحة، مع توفير بيئة مريحة خلال أوقات فراغهم، فضلا عن تقديم كلمات تشجيعية أو هدايا بسيطة تعبر عن الامتنان لدورهم.

وأشارت إلى أهمية القانون الجديد للعمالة المنزلية فى تحسين أوضاعهم وضمان حقوقهم. وقالت: «القانون خطوة إيجابية ستغير نظرة المجتمع لهذه الفئة، لأنه يضع إطارًا واضحًا لحمايتهم، سواء من خلال تحديد ساعات العمل، أو توفير رواتب عادلة، أو ضمان حقوقهم عند التعرض للأذى. كما يمكن أن يتطور لاحقًا ليشمل تأمينًا اجتماعيًا وطبيًا لهم، ما يعزز شعورهم بالأمان والاستقرار».

وأكدت أن وجود قانون يحمى العمالة المنزلية ويمنحهم ثقة أكبر فى أنفسهم وفى العمل الذى يقومون به، قائلة: «القانون يجعلهم يشعرون بأنهم أشخاص ذوو قيمة وأن عملهم لا غنى عنه، ما يدفعهم لتقديم أداء أفضل فى بيئة تحترمهم وتقدر جهودهم».

وحذرت من الإهمال فى تقدير العمالة المنزلية، مشيرة إلى أن الحالة النفسية المتدهورة قد تدفعهم إلى التصرف بسلبية، سواء بالإهمال أو التعامل بعنف أو حتى اتخاذ سلوكيات انتقامية. وقالت: «العمالة المنزلية قريبة من أفراد الأسرة وأطفالها، وإذا لم يشعروا بالراحة والتقدير، فقد يظهر ذلك فى طريقة تعاملهم أو أفكارهم، وهو أمر يجب تجنبه تمامًا».

وأكدت استشارى العلاقات الأسرية على أهمية القانون فى تحسين أوضاع العمالة المنزلية قائلة: «هذا القانون لن يحميهم فقط، بل سيغير نظرة المجتمع بالكامل إلى دورهم. هم ليسوا فقط جزءًا من المنزل، بل هم جزء أساسى من المجتمع، وقانون حمايتهم يعكس احترام الدولة لهم ولمهامهم».