كبسولة فلسفية
«الحداثة».. بوابة الجديد للمستقبل القريب
إن معنى مصطلح الحداثة غير ثابت. فكلمة «حديث»Modern قد تشير ببساطة إلى الزمن الراهن أو الماضي القريب، لكنها أيضًا مصطلح تاريخي وأدبي مركب. وتضيف كلمة «حداثة»Modernityطبقة أخرى من المعنى، إذ تصف حقبة لها سمات أساسية معينة. وقد أصبح أصل ومعنى الحداثة موضوعًا رئيسيًا في النقد الأدبي والفلسفة في أوائل القرن العشرين.
فبعد كانط، قيل إن الفلسفة يمكن أن تصبح حديثة إذا تحررت من قيود الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى. ولاحقًا (بعد هيجل)، اعتقد مفكرو أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أن الفلسفة يجب أن تصبح أكثر حداثة من أي وقت مضى إذا أرادت أن تفسر التجربة الحديثة في عالم شكّلته الصناعة والتكنولوجيا والكون الجديد الذي كشف عنه العلم الحديث. وهكذا كانت الحداثة شيئًا جديدًا، خاصًا بزمان ومكان أوروبا الصناعية. ولكن كيف ومتى نشأت؟
بحسب فريدريش تيودور فيشر (فيلسوف ألماني) في سنة 1846م، نشأت الحداثة في الأدب من قلق الشعراء والرسامين والمفكرين في عصر النهضة الذين أطلقوا «قطيعة مع العصور الوسطى». وبالنسبة للنقاد والفلاسفة على السواء، كانت الحداثة مفهومًا مرنًا بصورة غير عادية، يجمع بين الأفكار المتعلقة بمسار التاريخ الأوروبي والاتجاهات في الأدب والفلسفة. وغالبًا ما يُقال إن الحداثة ظهرت كقطيعة فكرية مع قيود وخرافات الماضي الوسيط.
وقد انتشر هذا «الضباب القاتم» للعصور الوسطى في الكتابة التاريخية الشعبية. فعند ستيفن جرينبلات(مؤرخ أمريكي) مثلًا، كانت العصور الوسطى فترة شهدت تراجع التعليم وتوقف التجارة: «أُغلقت المدارس، وأُقفلت المكتبات والأكاديميات» خلال «قرون من الفوضى» أعقبت سقوط روما. وكأنه فيلم رعاة بقر «كانت الحياة فيه رخيصة». ولم يكن اكتشاف عصر النهضة للقديم إلا المنقذ للعقل الأوروبي من ظلام العصور الوسطى. وهكذا لا تصبح الحداثة مرئية إلا إذا وُضعت أمام ستار العصور الوسطى القاتم. ومنذ بدايات دراسات عصر النهضة في أوائل القرن التاسع عشر، كانت هذه الدراسات بمثابة بحث عن أصول «الإنسان الحديث». وكان عصر النهضة أول فترة شهدت «اكتشاف العالم واكتشاف الإنسان»، كما أوضح جول ميشليه في رسالته سنة 1855م «عصر النهضة».
ويُظهر البحث في النقاشات حول أصول الحداثة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أن المصطلح لا يدل بوضوح على فترة تاريخية معينة (كقطعة زمنية)، بل هو في الحقيقة مفهوم مسياني (الاعتقاد بقدوم مسيح (شخصية مُخلّص) يُنتظر في المستقبل ليجلب السلام والعدالة، ويُصلح العالم )، يستمد معناه من أفق أزمة (كايروس)، عندما يمر النظام العالمي التاريخي بلحظة مؤلمة من التحول. فالحداثة ليست مجرد مرحلة حاسمة في التاريخ، بل هي من الناحية المفهومية وصول لمرحلة أخيرة، زمن نهاية ذو مدة غير معروفة.
ويقترح جوديت دو لا كومب (مفكر فرنسي متخصص في الفلسفة اليونانية القديمة) أن «الحداثة مفهوم غامض»، لأنها لا تملك حدودًا زمنية ثابتة، وتشير إلى «فترة زمنية منفتحة بالأساس على المستقبل لأنها تُعرَّف على أنها جديدة ومؤقتة». علاوة على ذلك، تكمن خلف كثير من تفسيرات الفكر الحديث فكرة أن الحداثة جلبت معها إمكانية فهم حقائق الطبيعة والإنسان أخيرًا. ومن هنا إعلان الشاعر آرثر رامبو: «يجب أن يكون المرء حديثًا بصورة مطلقة»، مما قاده مباشرة إلى فكرة أنه «قد يكون قادرًا الآن على امتلاك الحقيقة في جسد واحد وروح واحدة». وهكذا ستمنح الحداثة للبشريةمعرفة خاصة تقف فوق كل أشكال المعرفة السابقة.
بالنسبة لفلسفة أوائل القرن العشرين، كانت الحداثة اسمًا لمصير من نوع خاص. لقد انطوت على إيمان بالتقدم ليس فقط في ميدان الفكر والأدب، بل فيما يتعلق بالمنافع الاجتماعية من مصابيح الشوارع إلى العدالة غير المتحيزة. وفي سنة 1990م لخّص الفيلسوف إدغار موران(عالم اجتماع فرنسي) الطابع المركب لفكرة الحداثة، محددًا أصولها في عصر النهضة: «وُلدت الحداثة في نهاية القرن الخامس عشر، ولم تكن ظاهرة تاريخية فحسب، ولا مجرد فكرة مهيمنة، بل إيمانًا».
وخير ما نختم به حديثنا، مفهوم الفيلسوف الألمانيهابرماس للحداثة بأنها«نظرة فلسفية شاملة إلى العالم، مبنية على استخدام العقل في الأبحاث والقضايا».