الزاد
قانون الاقتلاع من الجذور
حين يصدر قانون بهذا الحجم والخطورة، وتتسع رقعة الرافضين له حتى تكاد تشمل كل بيت، لابد أن نتوقف ونسأل أنفسنا:
هل ما زال البرلمان يمثل الناس حقًا؟
وهل ما زالت الحكومة تُنصت إلى صوت الشارع، أم أنها أصبحت تراه ضجيجًا يجب تجاهله؟ أتحدث هنا عن قانون الإيجار الجديد الذى أقرّه مجلس النواب، وهو قانون لا يمكن أن يُوصف إلا بأنه ضد الإنسانية.
ليس لأننا ضد حق المالك، ولا لأننا نتمسك بعقود أبدية، ولكن لأننا نرفض القسوة، نرفض أن تتحول العدالة إلى قسوة مشرّعة.
قانون يُخرج كبار السن من بيوتهم، بعد عشرات السنين من الاستقرار، لا علاقة له بالتطوير أو الإصلاح، بل هو أقرب إلى الاقتلاع من الجذور.
فى هذا المكان، عاش الرجل وامرأته، استقرت بهما الحياة، بنيا فيه يومًا هادئًا بعد يوم، هنا اختار عيادته القريبة، والصيدلية التى ترسل له الدواء،
وهنا يعرف «عم فلان» صاحب مطعم الفول، و«عم فلان» البقال، و«عم فلان» بتاع الفراخ، و«فلان» الجزار...
ولو غاب يومًا عن البقال، أو غاب عن صلاة، يذهب إليه الصحبة والجيران للسؤال عنه...
ويخرج مرحبًا، مبتسمًا، متمنيًا لهم الصحة والعافية، لمجرد أنهم سألوا.
هنا تبدأ حركته، وهنا تنتهى... هنا عالمه، عالم صغير لكنه دافئ.
أعرف أصدقاء كبارًا فى السن انتقلوا إلى المدن الجديدة، يعيشون فى شقق أوسع، نعم، لكنهم لا يعرفون طعم الدفء الإنسانى... لا جيران، لا صلاة جماعة، لا «صباح الخير يا حاج»...
العزلة قاتلة، حتى لو كانت فى شقة فاخرة.
هنا عاش... وهنا ينبغى أن ينتهى به العمر، بكرامة وهدوء.
أتستكثرون على هؤلاء أن يعيشوا ما تبقى من أعمارهم فى مكان ألفوه وأحبوه؟
أتضيق بهم الدنيا إلى هذا الحد؟
ماذا سيفعل المالك بهذه الشقق التى شاخت كما شاخ أصحابها؟
لقد تعبت جدرانها كما تعب من سكنوها، وهلكوا من طول الطريق...
«الناس ليست سواء... فهناك من قد يفقد حياته لمجرد خروجه من بيته، فقط لأن المكان قد تغيّر».
أنتم لديكم الكمبوندات، والمكيفات، وحمامات السباحة...
اتركوا لهؤلاء ما تبقى من أيام أو شهور أو حتى سنين...
ارحموا الكبار يرحمكم الكبير.
والكبير، هو الله عز وجل.
وأنا أعلم أن الرئيس عبدالفتاح السيسى صاحب قلب كبير،
كم شاهدناه يتدخل لمجرد أن رأى مشهدًا لا يليق برجل مسن أو سيدة مسنة...
واليوم، هناك آلاف من كبار السن ينتظرون كلمته، ينتظرون قراره، ينتظرون أن يمتد إليهم هذا القلب الكبير، فهم فى بيوتهم لا يطلبون شيئًا أكثر من أن يُتركوا ليكملوا ما تبقى من أعمارهم بسلام.
أن ينقذهم من قانون قاسٍ، لا يليق بوطن عُرف بالرحمة.