«أكسيوس»: الجيش الأمريكى لن ينسحب من الشرق الأوسط
تكشف الأحداث الأخيرة أن الجيش الأمريكي لا يزال عالقًا في خبايا الشرق الأوسط، حيث تفرض تعقيدات الجغرافيا السياسية والمصالح الحيوية واقعًا يتناقض مع الخطط المعلنة. وهذا بحسب تحليل نشرته وكالة أكسيوس ويأتي ذلك رغم وعود متكررة من الإدارات الأمريكية المتعاقبة بالتحول الاستراتيجي نحو مواجهة التهديدات المتصاعدة من الصين وروسيا.
آخر مظاهر هذا التورط تمثلت في الضربات الصاروخية الأمريكية ضد مواقع نووية إيرانية باستخدام قاذفات «بي-2 سبيريت» الشبحية وأكثر من مئة طائرة أخرى، في تصعيد يعكس استمرار اعتماد واشنطن على القوة العسكرية في منطقة استنزفت ميزانية الدفاع الأمريكية وأرواح الجنود طوال عقود. من أفغانستان إلى العراق، من الكويت إلى اليمن وسوريا ولبنان، ظلت أمريكا عسكريًا حاضرة في المنطقة رغم تغير الأولويات المعلنة.
وفي الوقت ذاته، يشير قادة البنتاجون بوضوح إلى تصاعد القلق حيال توسع النفوذ الروسي والطموحات العسكرية الصينية، خاصة في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ، إلا أن الموارد المطلوبة لتحدي هذين الخصمين - من حاملات طائرات إلى أنظمة دفاع جوي استراتيجية -لا تزال تُستهلك بكثافة في الشرق الأوسط.
قي السياق أكد برايان كارتر، الخبير في شئون الشرق الأوسط في معهد «أمريكان إنتربرايز» أن هناك فجوة واضحة بين ما تعلنه الولايات المتحدة في وثائقها الاستراتيجية وبين واقع انتشارها العسكري. وقال إن واشنطن لم تُحسن الاستثمار في الاستقرار طويل الأمد بالشرق الأوسط، ما يجعلها دائمًا في وضعية رد الفعل بدلًا من التخطيط الاستباقي.
وأشار إلى أن الإدارة الأمريكية كثيرًا ما تمنح الأولوية للشرق الأوسط على حساب آسيا، لكنها لا تبذل جهدًا كافيًا لمنع الانفجار أو احتواء التوتر. وحين تسوء الأمور، تتحرك واشنطن بشكل متأخر، ما يجعلها غارقة في أزمات متكررة.
هذا التوتر بين التخطيط والواقع كشف عنه مسئولون بارزون في وزارة الدفاع. إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الدفاع لشئون السياسات، صرح خلال جلسة تثبيته أمام مجلس الشيوخ في مارس الماضي بأن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك جيشًا قادرًا على خوض حروب متعددة في آن واحد. وقد شدد على ضرورة إعطاء الأولوية القصوى لردع الصين على حساب الالتزامات في أوروبا والشرق الأوسط.
وأشار الأدميرال صامويل بابارو، قائد القيادة الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ في نوفمبر الماضي إلي أن الدعم الأمريكي المقدم لإسرائيل وأوكرانيا يضعف بعضًا من أثمن مخزونات الأسلحة الأمريكية. وفي أبريل، لافتاً إلى أن نقل كتيبة دفاع جوي من طراز باتريوت من منطقة آسيا إلى الشرق الأوسط استغرق 73 رحلة جوية، ما يعكس تكلفة لوجستية باهظة وعجزًا عن التحرك السريع في أكثر من مسرح صراع.
أما القائم بأعمال رئيس العمليات البحرية الأدميرال جيمس كيلبي، فقال أمام الكونجرس منذ أيام إن البحرية الأمريكية تستهلك صواريخ ستاندرد ميسايل-3 بمعدل «مثير للقلق»، مشيرًا إلى أن البحرية استخدمت ذخائر بقيمة تتجاوز مليار دولار في الاشتباكات مع الحوثيين في البحر الأحمر وخليج عدن. وخلال هذه العمليات، فقدت حاملة الطائرات «هاري إس ترومان» ثلاث طائرات من طراز «سوبر هورنت»، إحداها بنيران صديقة.
في هذا السياق، وصف داريل بريس، مدير معهد ديفيدسون للأمن العالمي، الشرق الأوسط بأنه الفضاء الذي تتقاطع فيه أربعة عناصر تشكل تحديًا استراتيجياً دائمًا للولايات المتحدة. منها وجود جماعات إرهابية نشطة قادرة على استهداف مصالح واشنطن. بجانب مخاطر انتشار الأسلحة النووية أو استخدامها فضلاً عن التحكم بإمدادات الطاقة العالمية، حيث تضم المنطقة أغنى مصادر النفط القابل للتصدير، كما أن هشاشة أنظمة الحكم وحدود الدول ومجالها الجوي، ما يجعل التدخل الخارجي أمرًا حتميًا في كل أزمة كبرى.
وقال بريس إن هذه العوامل مجتمعة تجعل من الشرق الأوسط ساحة يصعب تجاهلها، وتدفع الولايات المتحدة للعودة إليها مرارًا رغم خطابات الانسحاب والتوجه شرقًا نحو الصين.
واختتم بالقول «هذا هو الجزء من العالم الذي يجرّ أمريكا باستمرار إلى صراع، وهذه ليست مصادفة بل نتيجة تركيبة معقدة من التهديدات والمصالح المتداخلة التي لم تستطع واشنطن حتى اليوم تجاوزها».