بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حكاية وطن

من أجل المالك والمستأجر

لا المالك مرتاح، ولا المستأجر مرتاح فيما يخص المساكن القديمة، وإذا كانت الدولة تريد الإصلاح بين طرفى العلاقة فعليها البحث عن صيغة توفيقية منصفة للطرفين، تطمئن المستأجر الحقيقى وتحميه من التشرد، وتنصف المالك الذى أصبح يقف على حافة العوز.

الإصلاح الحقيقى لن يكون إلا من خلال حوار مجتمعى حقيقى تشارك فيه كل أطراف القضية تقديرا لخطورة هذه الأزمة المجتمعية التى تواجه الملايين والتى أدى تفاقمها إلى تدهور شديد فى البنية الأساسية لمعظم المساكن القديمة وبالتالى سقوطها فوق رؤوس السكان، نتيجة إهمال الصيانة بعد رفع يد المالك عنها وأصبح المستأجر هو المالك الحقيقى لها، رغم وجود مواد دستورية تنص على حماية الملكية الخاصة، إلا أن قضية المساكن القديمة كان لها بعدا آخر.

اقتربت من أزمة العلاقة بين المالك والمستأجر وتلقيت العديد من الرسائل من الطرفين، كل طرف يتبادل القضية من وجهة نظره، المستأجر يتساءل أين أذهب عندما أترك العين المؤجرة من عشرات السنين، والمالك يستغيث بأن ما يحصل عليه من عائد إيجار لا يكفى لشراء الدواء!

فى أحد أيام عيد الأضحى، استقبلت أسرة بالصدفة تملك منزلا فى منطقة شعبية، وبعد تبادل التهانى بالعيد، شرح لى رب هذه الأسرة ظروفه التى تقطر دما، قال لى: إن العائد الشهرى من إيجار منزله المكون من 6 شقق سكنية لا يتجاوز 150 جنيها، وأنه على المعاش وما زال لديه أبناء فى التعليم، وبنت فى سن الزواج، وزوجة مريضة، ويحتاج كما تحتاج هى إلى أدوية شهرية بآلاف الجنيهات، بخلاف تكلفة المعيشة من مأكل وانتقالات ومصاريف تعليم الأبناء، وأنه أصبح فى حكم المتسول عندما يطالب بالأجرة التى غالبا ما يتركها لأنه ينتقل إلى المسكن عدة مرات بحثا عن المستأجرين. قال لى المالك: إن بعض المستأجرين فى منزله أصبحوا يملكون عمارات، ولديهم دخول شهرية مناسبة، ويصرون على التمسك بالشقق المؤجرة، ورفضوا المحاولات الودية لزيادة الإيجار تمشيا مع حالة التضخم، كما قام بعضهم باستجلاب أقاربه للإقامة فيها بعد انتقالهم إلى عماراتهم، وشققهم المملوكة لهم فى بعض المشروعات الجديدة.

هذا النموذج الذى يمثله هذا المالك عدوان على الدستور، ولا يجب أن تستمر العلاقة المؤيدة فى عقود الإيجار، وليس من العدل أن يتحول المستأجر إلى مالك حقيقى يتصرف فى العين كما يشاء. بعض المستأجرين الذين قلت عليهم «المستأجر الحقيقى» رقيقو الحال إذا تركوا الشقة المؤجرة لن يجدوا إلا الشارع بأسرهم، هؤلاء يستحقون الحماية التى يجب أن تتحملها الدولة فى توفير مساكن لهم بأسعار مناسبة أو يقبلون برفع القيمة الإيجارية لتتناسب مع الأسعار الحالية، وتراعى نسبة التضخم.

إن التحجج بأن المالك جمع قيمة عقاره الذى بناه من عشرات السنين بتكلفة بسيطة، لا يمكن البناء عليه، فإن فى ذلك اعتداء على الحقوق الدستورية التى تحمى الملكية الخاصة، هناك بُعد اجتماعى لا بد أن يتحمله الجميع وليس المالك وحده، فالنسبة الكبرى تقع على الدولة فى حسم هذه القضية الخطيرة التى تمس ملايين الأسر، كما يتحملها رجال الأعمال الذين حصلوا على أراضى الدولة بالمجان وبنوا فوقها القصور والمساكن المعروضة بأسعار فلكية، فعلى هؤلاء إقامة مشروعات إسكان بتكلفة بسيطة كحق للمجتمع عليهم الذى لهفوا أراضيه فى السابق بدون مقابل.

كما على الملاك الأثرياء أن يتنازلوا عن بعض حقوقهم للبسطاء، وعلى المستأجرين الأثرياء -وهم كثر- أن يتركوا شقق الملاك الذين أصبحوا تحت خط الفقر طواعية، أعرف أن بعض هؤلاء من فئة المستأجرين الأغنياء يدافعون عن بقاء الوضع على ما هو عليه أو تحريك بسيط فى الإيجار، فهذا ظلم يجب أن ينتهى.

الأزمة ممكن حلها إذا كانت هناك نية حقيقية للحل كما حدث فى العلاقة بين المالك والمستأجر فى الأراضى الزراعية فى السابق. والحل يكمن فى فتح ملايين الشقق المغلقة لتوفير سيولة فى المساكن، والحل يكمن فى أن يكف أصحاب مشروعات الإسكان عن الجشع الذى رفع سعر الوحدة السكنية إلى عدة ملايين من الجنيهات، حتى أصبحت الشقق من عجائب الدنيا. إن أرادوا إصلاحا يوفق الله بينهم، وهو ما أقوله لنواب البرلمان، خاصة النواب القادمين فى المجلس الجديد.