خارج السطر
«الترامبية» التى لا تعرفونها
انقلب العالم كما لم يكن. تهاوت أفكار، وتلاشت مُسلمات، وتبدلت نظريات سياسية، وكفرت أمم بقيم ناضلت من أجلها سنوات وعقوداً، وبدا أننا على أعتاب فصل جديد فى التاريخ الإنسانى، يتشكل وفق معطيات جديدة، وتصورات مُغايرة.
قبل شهرين أو أكثر حضرت جلسة تفكير صاخبة دعا إليها المفكر والسياسى الكبير منير عبد النور، ضمت أكبر عقول مصر من ساسة ومفكرين ومسئولين سابقين وصناع رأى مثل عمرو موسى، مصطفى الفقى، نبيل فهمى، زياد بهاء الدين، محمود أباظة، محمد كمال، محمد سلماوى وغيرهم حيث تحدثوا جميعا عن عالم جديد بعد ما يعرف بظهور«الترامبية».
ولما كُنت غير ذى خبرة متعمقة فى أمور السياسة الخارجية، ولكونى مجرد مُتفرج على ما يحدث فى العالم، فقد شعرت ببعض المبالغات من المشاركين فى الحديث عن «الترامبية» وما تحمله من دلالات وسياسات وقوانين ونظريات أخرى. والحقيقة فإن المصطلح نفسه ذكرنى بكلمة «الناصرية» فى محيطنا العربى، والذى أجدها لصيقة بكافة المواجع التى عانينا منها، فهى تذكرنا دائما بالنفخة الكاذبة، والاستعلاء غير المبرر، والشعاراتية والاهتمام بالشكل على حساب المضمون، وهو ما ترجمه نزار قبانى فى قصيدته الشهيرة «هوامش على دفتر الهزيمة» بقوله « العنتريات التى ما قتلت ذبابة».
مضت الأيام، ودارت الوقائع، وتفجرت أوضاع، وقُتل بشر، وتبددت آمال، وشهدنا مالم نحسب، ورأينا مالم ننتظر. تلك هى الترامبية الرائجة والسائدة والمُغيرة للعالم كله، وتلك هى ملامحها الواضحة: عالم أكثر توحشا، سادة وعبيد، لا مساواة بين بنى البشر، لا مكان للضعفاء، على الفقراء أن يظلوا فقراء، الديمقراطية كذبة، العولمة عملية خداع، والحرية كلمة تُكتب وتُنطق لكنها لا تُطبق حتى فى أعتى معاقل العالم الجديد.
الترامبية تنتصر للفرد، الزعيم الأوحد. سلطاته فوق كل سلطة، رأيه صواب لا يحتمل أى خطأ. لا يجوز انتقاده، أو التعبير عن رأى مخالف له. يأمر فيطاع وإن لم يحدث ذلك تفرض القوة هيمنتها. يصحو مبكرا فيبتكر فكرة لا تخطر على بال أحد، ويُقرها كحقيقة ويسوق الجميع وراءها.
قبل أيام سب دونالد ترامب ناتاشا برتراند الصحفية بسى. إن.إن لأنها كتبت رأيا مخالفا له وقال «اطردوها كالكلبة».
ما حرية التعبير فى بلد روج لها مئة عام؟ ما الليبرالية الغربية وقيمها المروجة بالعدل والمساواة والتعايش بين الشعوب، وهناك ديكتاتور يرفع شعارا واحدا هو «أنا السيد»؟
ما الديمقراطية وحق الشعوب فى اختيار حاكمهم إن كان هذا الحاكم مثل دونالد ترامب بقسوته وسطوته ونرجسيته؟
بدا تحذير أصحاب الألباب من «الترامبية» فى محله، فنحن لا نعرف ما هو قادم، ولا كيف يأتى، وكما أدار الرجل الأوحد الصراع مع إيران بخطابية لافتة، وكوميديا سوداء، وقدرة مُدهشة على مفاجأة الجميع، فإننا لا نعرف خطوته القادمة فى فلسطين، غزة والضفة والقدس، وكيف سنتعامل معها، ولا نعرف ماذا يريد تحديدا من المنطقة، وإلى أى مدى يُغير ذلك من حيوات الشعوب!
لقد عبّر الدكتور محمود محيى الدين، المفكر الاقتصادى عن فرادة هذه اللحظات التى نعيشها فى مقال له قبل أسابيع اعتبر فيه أننا نعيش لحظات لينينية نسبة إلى فلاديمير لينين الذى قال «قد تمضى سنوات طويلة لا يحدث فيها شىء يذكر، وهناك أسابيع معدودة يحدث فيها كل شىء «. وفى تصورى فإننا نعيش لحظات هتلرية أو ستالينية، وربما الأوفق ترامبية لأن ما نعايشه لم يمر من قبل.
والله أعلم