بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

العالم العربى بين حداثة الغرب وتراث الأجداد

فى زمنٍ يضجّ بأسئلة المصير، يقف العرب على مفترق طرق حادّ: أَيُصلحُنا الوفاءُ لتراثٍ يثقل الذاكرة، أم تُنقذُنا جرأةُ القطيعة والبدء من جديد؟ بين إغواء النموذج الغربى بما يحمله من عقل نقدى وديمقراطية علمانية، وبين ربقة ماضٍ مُهاب يُقاوم النقد، ينفتح نقاشٌ لم يُحسم منذ قرن.
فى قلب هذا الجدل، يقدّم الشاعر والناقد المغربى محمد بنيس قراءةً شديدة الصراحة فى كتابه «الحداثة المعطوبة» وفيه يصف حالة حداثةٍ عربية وُلدت وفى تكوينها عطبٌ بنيويّ حال دون اكتمالها: نخب ثقافية بلا وعى نقدى، تبعية شبه عمياء للغرب، تغليب القشور على الجوهر، وتهميش المثقف المستقلّ الذى يفترض أن يكون ضمير الأمة لا بوقًا للسلطة. يرى بنيس أنّ هذا العطب ليس طارئًا بل هو بنيةٌ ثقافية رسّختها السلطة والتعليم معًا، لتدجين الفكر الحرّ وخنق السؤال النقدى فى المهد.
ولعلّ صورة هذا المأزق تتجلّى بوضوح فى قصةٍ طريفة من الأدب الأمريكي؛ ففى كتاب The Peterkin Papers للكاتبة لُوكريتيا هيل، تسكب السيدة بيتركن ملعقة ملح بدلًا من السكر فى فنجان قهوتها. وبدل الاعتراف بخطأ بسيط وصنع فنجان جديد، تستدعى خبراء يضيفون محاليل وعقاقير حتى صبغة اليود فى محاولة يائسة لإصلاح طعم القهوة، لكن كل تلك الجهود تبوء بالفشل. حتى تأتى امرأة حكيمة فتقول ببساطة: «تخلّصى من القهوة المالحة واصنعى فنجانًا جديدًا!»
وفى سياقنا العربى، ينقسم الرأى بين من يرى ضرورة إصلاح التراث من الداخل بإحياء ما فيه من عناصر عقلانية وإنسانية تصلح للنهضة الحديثة، وبين من يعتبر أن التراث ذاته هو العطب الذى يجب الخروج منه جذريًا. دعاة «الإصلاح الديني» يسعون لاستنبات حداثة محلية متصالحة مع الإيمان، لكن بنيس يُسجل بمرارة إخفاق معظم هذه المحاولات حين انهارت مشاريع الحداثة العربية أمام مقاومة الموروث.
أما تيار القطيعة الجذرية، الذى مثّله مفكرون مثل محمد أركون وهشام جعيط وأدونيس فيرى أنّ المطلوب ليس تجميل الخطاب التقليدى، بل تحرير العقل العربى من الأوهام المؤسسة: تقديس الماضى، وهم الجوهر الثقافى المنسوب للإسلام أو اللغة أو الجماعة. لكن هذه الرؤية – على جرأتها النقدية – غالبًا ما تُواجَه برفض شعبى واسع يُفسَّر كتغريب وانسلاخ عن الهوية.
وهنا تبرز المفارقة: النموذج الغربى نفسه الذى يُغرى البعض بالاقتداء له اعراضه الجانبية: نزعة فردانية مفرطة، تفكك أسرى، مادية استهلاكية، وانهيار المرجعيات الروحية. فهل نقفز إليه بكل ما يحمله؟ أم ننتظر حداثة محلية لم تتكوّن بعد؟
فى النهاية، ما يجمع بين نقد بنيس القاسى وبين سخرية هيل اللاذعة، هو المأزق ذاته: الخوف من الاعتراف بالخطأ. ثقافتنا تفضل ترقيع القديم على مجازفة البدء من جديد، وتُراهن على هيبة التراث ولو كان معطوبًا، بدلًا من جرأة الاعتراف بفساده.
فهل نمتلك الجرأة، مثل تلك المرأة الحكيمة، لنسكب قهوة التراث الفاسدة ونصنع قهوة الحداثة الطازجة؟