بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

حرب إسرائيل وإيران: بين الهزل والجد



تصدرت الحرب الراهنة بين إسرائيل وإيران المشهد الإقليمي والدولي في الآونة الأخيرة، لكن اللافت أن هذه الحرب تبدو أحياناً وكأنها رقصة محكمة على حافة الهاوية؛ تتداخل فيها التصريحات النارية، والضربات المحدودة، والعمليات السرية، مع حسابات دقيقة تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نحن أمام "حرب حقيقية" مؤجلة، أم أمام صراع مسرحي يهدف كل طرف من خلاله إلى تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية دون السقوط في فخ الحرب الكاملة؟

تدرك كل من إسرائيل وإيران أن الحرب بينهما ستكون مدمرة ومكلفة على الطرفين. حيث ترى إسرائيل في البرنامج النووي الإيراني تهديداً وجودياً، لكنها في الوقت ذاته تعلم أن توجيه ضربة شاملة لإيران قد يفتح جبهات متعددة، من لبنان إلى غزة، وقد يتسبب في انهيار آلية الردع الذي بنته على مدار عقود.

على الجانب الإيراني، تواصل طهران استثمارها في سياسة "حافة الهاوية" من خلال دعمها المحدود لوكلائها الإقليميين في لبنان والعراق واليمن وغزة، خاصة بعد تقليم أظافرها في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تحرص على ألَّا تتحول هذه الأدوات إلى شرارة حرب شاملة تخرج عن نطاق السيطرة. تلوّح إيران بالقوة، لكنها تعرف أن التصعيد قد يعرض النظام نفسه لخطر داخلي وخارجي.

المفارقة أن جزءاً كبيراً من الصراع يبدو في بعض مراحله أقرب إلى "استعراض للقوة" منه إلى حرب حقيقية.
فالتصريحات المتبادلة، والتسريبات عن هجمات سيبرانية، والاغتيالات الغامضة، وضرب المنشآت النووية، كلها عناصر توحي بأن هناك لعبة استخباراتية أكثر منها معركة مفتوحة. حتى الضربات الجوية الإسرائيلية كانت أقرب إلى "روتين عسكري" لا يهدف إلى تفجير حرب شاملة، بل إلى استنزاف النفوذ الإيراني بشكل تدريجي.

هناك من يذهب إلى وصف هذا الصراع بأنه "حرب هجينة على نار هادئة" حيث يتم ضبط إيقاع التصعيد بعناية فائقة. إذ تضرب إسرائيل وتتبنى الهجمات علناً في معظم الأحيان، وإيران ترد بحذر تحسبًا لأي تصعيد مباشر. فيما يبقى المجال مفتوحاً أمام الوسطاء لاحتواء أي تفلّت أو انزلاق، كما حدث مع وقف إطلاق النار بتدخل أمريكي ودعم قطري بعد استهداف مسرحي لقاعدة "العُديد" الجوية في الدوحة الذي سبقه تنسيق كامل مع الولايات المتحدة. إذ تُعد هذه القاعدة واحدة من أهم القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.

لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في كبح جماح هذا الصراع وفي إخراج هذا السناريو "الهوليوودي" المُتقن. إذ تدرك واشنطن جيدًا أن حرباً شاملة في الشرق الأوسط ستكون مكلفة جداً لمصالحها، خاصة في ظل تحول أولوياتها نحو آسيا ومواجهة الصين. لذلك تبدو الولايات المتحدة حريصة على إبقاء المواجهة في إطارها المحدود، مع استمرار الضغط على طهران لاحتواء وتقنين طموحاتها النووية من جهة، وتوفير الغطاء السياسي والعسكري لإسرائيل من جهة أخرى.

علاوة على ذلك، يبدو أن روسيا والصين لا ترغبان أيضًا في حرب مدمرة بين الطرفين، فكلتاهما تفضلان استمرار "حالة الاشتباك" كوسيلة لابتزاز الغرب سياسياً واقتصادياً دون أن يؤدي ذلك إلى فوضى شاملة تهدد استقرار المنطقة وتضرب مشاريع الطاقة والتجارة والنقل وغيرها من القضايا الاقتصادية المحورية الاستراتيجية.

القول إن حرب إيران وإسرائيل كانت مسرحية هزلية ينطلق من قراءة متأنية لما جرى على الأرض، ليس من زاوية النتائج العسكرية، بل من زاوية السياق السياسي والدلالات الضمنية. فهذه الحرب، رغم ضجيجها، لم تغير شيئًا جذريًا في موازين القوى، ولم تؤدِ إلى سقوط نظام أو انهيار بنية نووية، بل بدت أقرب إلى مشهد محسوب، خُطط له أن يعبّر عن الغضب والردع دون التورط في مواجهة فعلية. إذ أن الضربات الإسرائيلية، رغم ما قيل عن قوتها، استهدفت مواقع يبدو أن إيران أخلتها أو ضحت بها عن قصد، وكأن هناك تفاهمًا ضمنيًا على ما يمكن ضربه وما لا يُسمح بالاقتراب منه. وهذا يعزز الانطباع بأن ما جرى لم يكن تصعيدًا مفتوحًا، بل تبادلًا محدودًا للرسائل تحت سقف معلوم.

اللافت أن الطرفين استثمرا الحدث سياسيًا أكثر مما خاضا فيه عسكريًا، فنتنياهو احتاج إلى لحظة قوة تصرف الأنظار عن أزماته الداخلية، خاصة إخفاقاته المستمرة في الحرب على غزة، بينما استخدمت إيران المشهد لتعزيز خطابها عن الصمود، ولتبرير مواصلة التخصيب دون تنازلات. خرج كلا الطرفين بمكاسب دعائية لا تتناسب مع معنى الحرب بالمعنى التقليدي. فالحرب لم تتوسع، وحلفاء إيران لم يدخلوا أرض المعركة، وحتى الردود الإيرانية بدت مضبوطة وموجهة بعناية، بعيدة عن الخط الأحمر الإسرائيلي، ما يوحي بأن اللعبة كانت لها حدود، وأنها كانت أقرب إلى مشهد مُعد مُسبقًا من كونها حربًا شاملة.

يبدو أن الصراع الإسرائيلي-الإيراني سيظل يراوح مكانه في منطقة رمادية بين الهزل والجد، بين الحرب المعلنة والحرب الخفية، وبين التصعيد المحسوب وتصريحات "الانفجار المحتمل". وربما يكون هذا تحديداً هو "الواقع الاستراتيجي" الذي يرتضيه الطرفان في هذه المرحلة.

إن الصراع بين إسرائيل وإيران ليس حرباً شاملة حتى اللحظة، وليس مجرد استعراض إعلامي، بل هو مزيج معقد من الحروب السيبرانية، والهجمات الاستخباراتية، والتحالفات الخفية والضربات المحدودة، والتصعيد المدروس، في إطار لعبة كبرى تعرف فيها كل الأطراف أن تجاوز الخطوط الحمراء قد يقود إلى كارثة غير محسوبة. الحرب قائمة بالفعل، لكنها حرب من نوع آخر؛ حرب تظل على حدود الهزل لكنها قابلة في أي لحظة لأن تنقلب إلى الجد.