كبسولة فلسفية
لولا الفلسفة لِمَا فهمنا الحياة
إن الفلسفة تُعنى على وجه الخصوص بأسئلة تتصل بالحياة مباشرة، فالمشكلات الفلسفية تتعلق بطبيعة المعرفة وشروطها وحدودها، وبقيمة الأدلة، وبالمبادئ الكامنة وراء تقييمنا للأفعال والمؤسسات الإنسانية. وتتمثل مهمة الفلسفة في جمع كل الوقائع التي يمكن أن تلقي الضوء على هذه الأسئلة، واستخدامها بهدف بلوغ رؤية محددة وواضحة بشأن المشكلات الجوهرية للحياة والواقع. وماذا عن دور وتأثير الفلسفة في حياتنا؟
عزيزي القارئ، فلقد أثرت فلسفة الفيدانتا (مدرسة فلسفية هندوسية) تأثيرًا بالغًا في تطور العقل الهندي، كما أثرت الأفلاطونية في تطور الكنيسة المسيحية وفي القرن الماضي، تركت أفكار سبينوزا وكانط وهيوم وكونت أثرًا كبيرًا حتى على أولئك الذين ظنوا أنهم في مأمن من التأثير الفلسفي. وهنا تكمن وظيفة الفلسفة، فما هي؟
صديقي القارئ، للفلسفة وظيفة لا غنى عنها، إذ لولاها لافتقرت الحياة الذهنية إلى الوضوح والعمق. ولكي تُنجز مهمتها، ينبغي أن تكون الفلسفة حرّة وغير مقيّدة. فالفكر عنصر من عناصر الحياة يُلقي الضوء على العناصر الأخرى، وهذه العناصر لا تملك الحق في فرض وصايتها على الفكر بدعوى أنها وحدها تُشكّل الحياة. أما المواد التي يحتاجها الفكر لصياغة مشكلاته، فيجب أن يكتشفها بنفسه؛ إذ لا يمكن التمييز بين التجربة الحقيقية وبين الأوهام والأفكار المضللة إلا من خلال الفكر ذاته.
فالفلسفة ليست سوى محاولة لبلوغ أوضح تصور ممكن لمكانتنا ضمن نظام الأشياء. ومع ذلك، من الصعب الوصول إلى هذا المستوى من الوعي الواضح. فوراء أوضح حالات وعينا توجد دائمًا ميول غير واعية واستعدادات نفسية، قد يُمكن التعرف عليها لاحقًا، لكنها تظل لوقت طويل تعمل كعوامل كامنة غير مرئية، حيث إن وعينا يتبلور من فوضى مظلمة، وتتجمّع عناصره المتناثرة من خلال عملية تركيب لا إرادية.
إذًا، الفلسفة تُوجد في علاقة مزدوجة مع الحياة: علاقة نشطة، من حيث إنها تمثّل العمل الواعي على حلّ المشكلات، وعلاقة سلبية، من حيث إنها تُجسّد – لا شعوريًا – ميولًا واستعدادات باطنة. لكلا الجانبين قيمته، وكلاهما حاضر دائمًا عندما تُمارَس الفلسفة على نطاق عظيم.
وفي الختام، نجد أن اعتراف الفلسفة بهذا الارتباط الوثيق بين الفكر والحياة يدلّ على تقدم كبير في فهم طبيعة الفلسفة ذاتها. لكن هذا الفهم بدوره يفتح الباب أمام أسئلة جديدة، سنُحاول الإجابة عنها وإثارتها هنا تحت عنوان كبسولة فلسفية إن قَدَّر الله لنا البقاء واللقاء.