بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الزاد

التزييف بالذكاء الاصطناعى

الذكاء الاصطناعى هو أحد أعظم ما وصلت إليه البشرية من تطور تكنولوجى، وقد غير ملامح حياتنا فى الطب والتعليم والصناعة والفنون. لكن الوجه الآخر لهذا التقدم يحمل فى طياته الكثير من القلق، خاصة عندما يستخدم فى تزييف الواقع، وتحديداً فى مجالات تعتمد على الثقة والخيال مثل الصوت والصورة والفنون الإبداعية.
صحيح أن الذكاء الاصطناعى قد أسهم فى تمكين المبدعين، وأتاح أدوات مذهلة لصناعة المحتوى، لكنه فى المقابل أتاح أيضاً فرصاً خطيرة لمن يسعون إلى الاحتيال أو تضليل الجماهير، من خلال تركيب الصور أو استنساخ الأصوات بطريقة يصعب معها التمييز بين الحقيقى والمزيف. وهنا تكمن المعضلة: كيف نستخدم هذه الأدوات دون أن نخسر الثقة فى الحقيقة؟
شهدنا فى الشهور الأخيرة حوادث عديدة تم فيها استنساخ أصوات مشاهير، أو استخدام صوت فنان بعد وفاته دون إذن ورثته، أو حتى توظيف أصوات ساسة ومفكرين فى مقاطع مزورة لأغراض تضليلية. هذا الاستخدام ينتهك الخصوصية، ويهدد الأمن المعلوماتى، ويعد نوعاً من «الانتحال الصوتى» الذى يستوجب تجريماً واضحاً.
بل إن الأمر وصل إلى ما هو أخطر من ذلك، حين تستخدم هذه التقنية فى تشويه التراث وإعادة صياغته بشكل مسىء. وجدنا – على سبيل المثال – مقاطع مزيفة يظهر فيها صوت عبدالحليم حافظ وهو يغنى أغانى عبدالباسط حمودة وأحمد عدوية، أو السيدة أم كلثوم تؤدى أغانى شعبية بشكل يسىء لهيبتها وتاريخها. وليس هذا من قبيل الإبداع، بل هو نوع من الإساءة للرمز ذاته، واستخفاف بالثقافة الجماعية.
الأدهى من ذلك، أن تستخدم هذه التقنية لاستدعاء الموتى ليحكوا شائعات قديمة. كما حدث مع الفنانة أسمهان، التى ظهرت تسجيلات مزيفة تنسب لصوتها، تحكى تفاصيل وفاتها فى حادث شهير، متضمنة إيحاءات باتهامات لفنانة أخرى، رغم أن ما قيل مجرد شائعات تاريخية لا سند لها. وخطورة هذه التسجيلات أنها تقدم كما لو كانت «توثيقاً صوتياً»، فترسخ الكذب فى عقول الأجيال، وتعيد تقديم التاريخ بوقائع لم تحدث.
الصور لم تعد أداة توثيق، بل أصبحت فى كثير من الأحيان أداة تزييف. ومن صور الحروب إلى مشاهد الحياة اليومية، أصبح الذكاء الاصطناعى قادراً على خلق «وقائع خيالية» يصعب التحقق منها، تؤثر فى الرأى العام، وتستخدم لتوجيه الجماهير، أو تشويه السمعة، أو تضليل الحقائق.
الفن والإبداع نابعان من الوجدان الإنسانى، من التجربة والروح. ولا يمكن أن يختصر الإبداع فى «معادلة حسابية» ما يقدمه الذكاء الاصطناعى هو «محاكاة للإبداع» وليس إبداعاً حقيقياً. وعلينا الحذر من الانجراف وراء موجة «الإبداع الزائف» الذى قد يقصى الإنسان لحساب آلة بلا إحساس ولا عمق.
يصبح من الضرورى الآن أن تتدخل المؤسسات التشريعية والثقافية لوضع إطار أخلاقى وقانونى صارم لاستخدام الذكاء الاصطناعى، خاصة فيما يتعلق بالفنون والمحتوى البصرى والصوتى. فبركة الصور والأصوات يجب أن تعد جرائم يعاقب عليها القانون، كما يجب أن تطور تقنيات كشف التزييف وتعمم على المنصات الإعلامية لحماية المتلقين من الخداع.
إن التكنولوجيا ليست عدواً، لكنها مثل النار، إما أن نطهو بها الطعام، أو نحرق بها البيوت. والذكاء الاصطناعى أداة جبارة، لكن استخدامها لا بد أن يكون فى إطار من الأمن والأخلاق والسلام، لا الخداع والانتحال والعبث بالواقع. ونحن فى حاجة إلى وعى مجتمعى وقانونى يوازن بين التطور والحقيقة، وبين الحداثة والهوية.