بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية

التفكير على طريقة بوذا

 

العقل فوضوي، مضطرب، يصعب ملاحظته، ويصعب السيطرة عليه. الحكيم يُعيده إلى اتزانه، كما يعيد السهم المستقيم. كانت هذه الحكمة أو المقولة للفيلسوف الهندي سيدهارتا غوتاما المعروف بـ "بوذا". هو مفكر هندي من القرن السادس قبل الميلاد، ترك حياة الرفاه ليخوض تجربة وجودية عميقة قادته إلى كشف أن المعاناة تنبع من التعلّق والرغبة. كان لديه قدرة على تأمل الواقع بصفاء جعلته يرسم مسارًا للتفكير يحرّر الإنسان من الوهم ويقوده نحو البصيرة والطمأنينة، وهو ما سنبينه الآن من خلال عرض التفكير على الطريقة البوذية.

كانت الظروف التاريخية في حياة بوذا تتّسم بتحوّلات كبيرة وتغيّرات ملحوظة في البُنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية والفلسفية. ولنقل قدرًا من هذا الإحساس بالحماسة، إلى جانب مشاعر القلق والاضطراب وعدم اليقين التي كانت تثيرها تلك التغيرات في نفس بوذا ومعاصريه، تخيّل للحظة أنك تنتقل إلى حيّ جديد، أو إلى منطقة جديدة في البلاد، أو حتى إلى جزء آخر من العالم.

أو حاول أن تسترجع في ذاكرتك مراحل انتقالك التعليمي والاجتماعي: من المرحلة الابتدائية إلى الثانوية، ثم إلى الجامعة أو الدراسات العليا، وأخيرًا الانتقال من "عالم الدراسة" إلى "العالم الواقعي" المرتبط بالعمل والكسب المعيشي. كل واحدة من هذه التحوّلات والتغيّرات تحمل، بدرجات متفاوتة، مزيجًا من الحماسة والرهبة، والنشوة والقلق. من جهة، تُعد هذه المواقف مثيرة لأنها جديدة، وغير مألوفة، وتحمل إمكانات كامنة. ومن جهة أخرى، فهي مثيرة للخوف والشك والتوتر، تحديدًا لأن جِدَّتها تدفعنا خارج منطقة الراحة التي اعتدناها في تجاربنا اليومية المألوفة.

في الواقع، قد تكون أبسط التغيرات في روتيننا اليومي مقلقة لأنها تجبرنا على التفكير والتصرّف بطريقة جديدة، إبداعية، وغير معتادة. في مثل هذه الظروف، وكما تقول العبارات المعاصرة، نُضطر إلى "التفكير خارج الصندوق"، وإلى "الاستجابة الفورية" للمواقف غير المألوفة. ولكن، ما المعنى الدقيق لهذه العبارات؟ وكيف يمكن أن تساعدنا في تكوين فهم أوضح لحياة وتعاليم البوذا التاريخي؟

أود أن أقترح أن تأمّل هذه التجارب، أو السيناريوهات المتخيَّلة للانتقال من مكان إلى آخر، مع الأخذ في الاعتبار الأحداث التي وردت في سيرة بوذا والظروف الاجتماعية التي أحاطت بها، يكشف عن مجموعة من السمات المشتركة بين هذه التجارب ومسيرة حياته. لا شك أن مثل هذه التحولات تُشعر الإنسان بعدم الاستقرار. ويبدو من الواضح أن التغيّرات الشخصية والاجتماعية السريعة والعميقة تُربك الناس.

فالبشر، في الغالب، مخلوقات ميّالة إلى العادات. معظمنا يفضّل أن تظل الأمور كما هي (طالما أنها مقبولة بدرجة ما). فحين تسير الأمور وفق أنماط منتظمة، نحصل على النظام، والتوقع، والراحة، والأمان — سواء في العالم من حولنا أو في علاقاتنا مع الآخرين. إن صفات مثل الاستقرار والثبات والاعتمادية تُعد من الخصال التي يُقدَّر الناس من أجلها.

وقليلون فقط منّا يقبلون بصديق غير مستقر أو متقلب أو غير موثوق. ومع ذلك، تبقى الحقيقة أننا وأصدقاءنا غالبًا ما نكون كذلك فعلاً! فعلى الرغم من كل ما نبذله لجعل الأشياء تسير كما نريد، إلا أننا — وما يحيط بنا — لا نكون دائمًا على قدر توقعاتنا.

ولو توقّفنا لحظة للتفكّر، لأدركنا أن أكثر الحقائق بداهة، وإن كانت منسية، عن العالم ومَن فيه، هي أن كل شيء في تغيّر دائم. ومع ذلك، فإن ميلنا الفطري إلى الاستمرارية والثبات يُغلب وعينا بحقيقة التحوّل والتغيّر وعدم الديمومة. ولعلّ وعينا بهذه الحقيقة لا يبرز إلا عندما تتغيّر الأمور وتتبدّل، ونجد أنفسنا مجبرين على مواجهة الواقع كما هو.

ومن هنا، فإن الأحداث التي أشرنا إليها أعلاه تعمل كمحفّزات توقظنا من حالة اللاوعي والتعوّد التي نعيش فيها، وتجبرنا على رؤية الأمور على حقيقتها وهو ما وصل إليه بوذا ولهذا اتصف ولُقِبَ بـ "المتيقّظ" أو "المستنير".

وأخيرًا، إنني أرى أن سدهاتّا غوتاما عاش تجارب من هذا النوع تحديدًا، وكانت استجاباته الخاصة لتلك التجارب هي ما قاده إلى السعي نحو إجابات لأسئلته ومشكلاته الفلسفية — حتى بلغ في النهاية التحقّق بالحقيقة. والسؤال الآن لك، أيها القارئ العزيز، هل تريد أن تعيش حياة حقيقية منضبطة، حياة متزنة، صفاء داخلي، وعي صافٍ، وانضباط ذهني؟ ما عليك فعله سوى التفكير على طريقة بوذا.

[email protected]