بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

«الضربة الكبرى» تقترب

بوابة الوفد الإلكترونية

ﺗﺮاﻣﺐ« ﻳﻠﻮّح ﺑﺎﻟﻨﺎر وتحﺬﻳﺮات ﻣﻦ ﻓﺦ اﻟﻌﺮاق.. وﻗﻠﻖ ﻣﻦ تجاوز اﻟﺪﺳﺘﻮر

 

 

تُرسَم فى واشنطن ملامح واحدة من أكثر العمليات العسكرية الأمريكية دقة وتعقيدًا منذ عقود. الضربة المحتملة ضد منشأة «فوردو» النووية الإيرانية تشبه، فى تصميمها، عملية جراحية عالية المخاطر لا يجيدها سوى سلاح الجو الأمريكى. تنطلق الخطة من قواعد بعيدة مثل وايتمان فى ميسورى أو جزيرة دييجو غارسيا، حيث تقلع قاذفات «بى-2» الشبحية، محملة بقنابل خارقة للتحصينات تزن 30 ألف رطل.

يفكر الرئيس دونالد ترامب فى خيار الضربة العسكرية السريعة، فى مشهد يُذكّر كثيرين ببداية حرب العراق عام 2003. حينها، وعدت واشنطن بعملية «سريعة ومنتصرة»، لكن ما تلاها كان مستنقعًا من القتل والفوضى استمر تسع سنوات. اليوم، ومع تصاعد التوتر، يعود شبح ذلك الغزو ليخيم على إدارة «ترامب» المنقسمة، وسط غياب مظاهرات عالمية كالتى سبقت حرب العراق، وعدم حشد قوات برية ضخمة، لكن بنفس القلق.. ونفس الجهل بعواقب التصعيد، بحسب تحليل «نيويورك تايمز» الأمريكية.

يقول فالى نصر، الأمريكى من أصل إيرانى وأستاذ العلاقات الدولية فى جامعة جونز هوبكنز: «نعيد سرد القصة ذاتها. حينها لم نكن نعرف أفضل، وصدقنا كل الكلام المبهج عن العراق. كل الافتراضات كانت خاطئة».

تتشابه السياقات بشكل مخيف: فى الماضى، روّج لغزو العراق باعتباره «سهلًا»، وتم التأكيد على أن الأميركيين سيُستقبلون كمحررين. واليوم، يجادل أنصار «ترامب» بأن قصف «فوردو» سيغير قواعد اللعبة فى الشرق الأوسط. رغم ذلك، هناك انقسام استخباراتى داخل الإدارة، تولسى جابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية، قالت فى مارس إن إيران لا تطوّر سلاحًا نوويًا حاليًا، لكن «ترامب» رد ساخرًا: «لا يهمنى ما قالته». وأضاف أن طهران على وشك امتلاك سلاح.

بعض رموز المحافظين الجدد الذين دعموا غزو العراق يدفعون اليوم باتجاه ضرب إيران. قال ويليام كريستول، رئيس تحرير صحيفة «ذا بولوارك»: «إذا كنتم تعتقدون حقًا أن إيران لا يمكنها امتلاك أسلحة نووية، فهذه فرصتنا لإنهاء الأمر».

ومع تصاعد القلق، علق الأدميرال ويليام فالون، قائد القيادة المركزية سابقًا، قائلاً: «ما هى الخطة؟ ما هى النتيجة المرجوة؟ نحن نتصرف بانفعال». بدوره يحذر ديفيد بترايوس، قائد غزو بغداد وقوات الناتو فى أفغانستان، من المقارنة بين الحالة الحالية والعراق، لكنه دعا لطرح إنذار نهائى على المرشد الإيرانى على خامنئى لتفكيك البرنامج النووى، وإلا «فسيواجه تدمير بلده ونظامه وشعبه». وأضاف: «إذا رفض، فإننا على الأقل نعزز شرعيتنا قبل أن ندمرهم.. على مضض».

يعتبر فالى نصر أن الرد الإيرانى شبه مؤكد، وفى حال مقتل أميركيين بهجمات انتقامية، سيجبر «ترامب» على التصعيد، وقد يتكرر سيناريو العراق.. ولفت إلى أن إيران «أكبر وأكثر تطورًا من العراق»، إذ يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة، ولديها جيش أكثر قدرة.

بينما قال جون بولتون، مستشار الأمن القومى الأسبق، أحد أكثر الداعمين للضربة: «اقصفوا فوردو وانتهى الأمر. كان يجب أن يحدث هذا منذ زمن طوى». وبينما يعانى بولتون من تهديدات إيرانية فإن علاقته بـ«ترامب» مقطوعة، وقال: «لا أعلم ما الذى سيفعله ترامب، وربما هو نفسه لا يعلم». وأضاف: «ترامب» مذعور ومضطرب فى الأزمات، يبحث عمن يقول له الكلمات السحرية التى يريد سماعها، ثم يغير رأيه بعد المحادثة التالية».

فى السياق تمت مناقشة عملية قصف «فوردو» وخضعت لدراسات عسكرية وجيولوجية مكثفة. بحسب تصريحات مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسى: «لقد زرت المنشأة، إنها تقع على عمق نصف ميل تحت الأرض». ويحذر الخبراء من أن حتى القنابل الأميركية العملاقة قد لا تصل إلى ذلك العمق.

ورغم كل التقييمات العسكرية، تبقى أكبر المخاطر فى ما بعد الضربة. فيرى دانيال كورتزر، السفير الأميركى السابق لدى إسرائيل، وستيفن سيمون عضو مجلس الأمن القومى سابقًا أن «إسناد مهمة «فوردو» من الباطن لإسرائيل يضع واشنطن مباشرة فى مرمى إيران وكتبا فى «فورين أفيرز»: «من شبه المؤكد أن إيران سترد بقتل مدنيين أميركيين. وهذا سيجبر واشنطن على الرد، وتبدأ دورة تصعيد قد لا تنتهى إلا بمحاولة لتصفية قيادات النظام الإيرانى، أى العودة إلى هدف تغيير النظام الذى لا يرغب فيه الأمريكيون».

ويضيف كورتزر وسيمون: «إيران بارعة فى الإرهاب، وبنت قوة إلكترونية قادرة على إحداث أضرار، كما أن لديها ترسانة من الصواريخ القصيرة المدى لتهديد السفن فى الخليج».

فى ظل كل ذلك، يطالب الديمقراطيون بتفعيل صلاحيات الكونجرس. حيث قال السيناتور آدم شيف: «قصف فوردو عمل هجومى، ويجب أن يناقش فى الكونجرس». وفعليًا، قدم النائب الجمهورى توماس ماسى مشروع قرار يمنع أى هجوم على إيران دون موافقة مسبقة من الكونجرس. كذلك فعل السيناتور تيم كين. تاريخيًا، لم تبدأ الولايات المتحدة حربًا كبرى دون تصويت تشريعى؛ من بيرل هاربر إلى العراق، حصل الرؤساء على إذن من الكونجرس.

فى المقابل، يحذر قانونيون من أن استخدام قوانين التفويض لعامى 2001 و2002، الخاصة بملاحقة الجماعات الإرهابية، لا ينطبق على إيران، الدولة ذات السيادة.

وأوضح غارى سامور، منسق قضايا الانتشار النووى فى إدارة «أوباما»: «حتى لو قصفت فوردو، فإن إيران قد تعيد بناء البرنامج بسرعة. لم تنه القوة الجوية وحدها أى برنامج نووى فى التاريخ. حتى بعد قصف إسرائيل لمفاعل العراق عام 1981، شرع صدام فى بناء برنامج سرى ضخم لم يكتشف إلا بعد حرب الخليج».

وتابع: «إذا انتهت الحرب وبقيت «فوردو» على حالها، فإن الإيرانيين سيستأنفون العمل فى وقت قصير. الأسوأ أن يشعروا الآن أنه كان يجب عليهم امتلاك القنبلة منذ سنوات، كما فعلت كوريا الشمالية».

ودعت افتتاحية نيويورك تايمز الأمريكية لتجنب الصراع حيث قالت إن قصف إيران سيكون حربًا اختيارية للولايات المتحدة فى هذه المرحلة. ويبدو أن «ترامب»، الذى لطالما شكك فى التورطات الخارجية، يدرك ذلك. فقد أمضى شهورًا يدعو إلى الدبلوماسية مع إيران، ويشكك فى جدوى هجوم إسرائيلى.

وأضافت الافتتاحية: من حقه تغيير رأيه، لكن عليه حينها أن يُدافع عن نفسه أمام شعبه لتضحيته بالدماء والأموال الأمريكية. إن رفض طرح القضية للتصويت فى الكونجرس يعنى إقرارًا بأن الشعب الأمريكى لا يؤيد حربًا خارجية أخرى ذات هدف مبهم ودون خطة لما سيحدث لاحقًا. إن التاريخ الحديث لحروب تغيير الأنظمة لا يُبشر بالخير، وخاصة فى الشرق الأوسط.

غالبًا ما تكون قرارات خوض الحرب، وموعدها، صعبةً وهامةً دائمًا. ولهذه الأسباب، لا يُخول الدستور هذه القرارات لأى شخص، ولا حتى القائد العام. يجب أن يُدلى الشعب الأمريكى وممثلوه المنتخبون برأيهم. فليبدأ هذا النقاش الحيوى.