بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

صرخة على فنجان قهوة… من صحفي بالمعاش إلى الحكومة!

 

 

جاءني صديقي، زميل العمر والقلم، صحفي قديم، عاشق للحبر والرصيف والبندقية، رجل كتب للحقيقة حتى نسي أن يكتب لنفسه شهادة تأمين على الحياة. دخل عليّ مكتبي كما لو أنه خارج من مشهد في فيلم أبيض وأسود، بملامح مكرم محمد أحمد، وروح صلاح جاهين لما كان حزين أو غاضب.

طلب فنجان قهوة سادة، وقال
من غير سكر عشان السكر بقى رفاهية، وبصراحة ما بقاش في حاجة تستاهل التحلية."

أشعل سيجارة، ثم أخرى، ثم ثالثة!
كاد الدخان يكتب مقاله بداله، لولا أن الحزن كان أسرع من الدخان.
سألته: "مالك؟"

ردّ وهو بيضحك ضحكة باكية
أنا كنت بكتب عناوين تشيل بلد… دلوقتي المعاش بتاعي مش شايل كيس عدس!"
قالها، وسكت كأنه بيحضّر لنعي روحه… كأنه بيعتذر للحياة لأنه صدّق إنها هتكرّمه في شيخوخته.

٣٦ سنة شقى ومعاش ٣٠٠٠ جنيه!

٣٦ سنة وهو بيجري ورا وزير وورا ميزانية وورا الحقيقة
دلوقتي الحقيقة الوحيدة إنه بيجري ورا كيلو لحمة وزجاجة زيت.
مش طالب عربية، ولا شاليه في مراسي… هو طالب يعيش، بس يعيش.

قال لي
زمان كنت بحلم أخرج على المعاش وأرتاح… دلوقتي باصحى مفزوع وأنا بحسب أنا فين؟ في بيت؟ ولا في صالة انتظار على باب الله؟"

الحكومة شايفانا عبء!

كأننا لما بلغنا سن المعاش بقينا "عواجيز الفرح"، عبء على الميزانية، وصداع في دفتر الدولة.
ونسيت الحكومة إننا اللي كتبنا، وعلّمنا، وكنّا بنسخّن لهم الميكروفونات قبل كل مؤتمر.

قال بنبرة مشروخة
دلوقتي بنمشي في الشوارع كأننا عابرين سبيل، حتى الجيران بطلوا يسألوا علينا، كأن الدولة أعلنت وفاتنا على مراحل، وإحنا بنعيش جنازتنا كل يوم على البطيء."

العلاوة؟ ضحك مرّ

"لما الحكومة قالت فيه علاوة ١٥٪ فرحت، قلت أخيرًا هنشتري مروحة نكسر بيها حر الصيف طلعت العلاوة ٤٥٠ جنيه!
يعني بالضبط تمن علبة دوا الضغط، ونُص كشف عند دكتور بيقول لي (مالك؟) وأنا مش عارف أرد!"

إحنا أصحاب المعاشات مش مومياءات!

لسنا ماضيًا في متحف، ولا ذكرى على رف، إحنا ناس، بنحس، وبنعيش، وبنموت بالبطيء.
كل يوم بنعد كام بيضة في التلاجة، وكل أسبوع بنقفل النور بدري علشان الفاتورة، وكل شهر بنقعد نحسب هنسيب إيه لولادنا؟ ولا هنسيبهم يدفعوا فاتورة عمر إحنا اللي عشناه؟

قال لي
"مرة بنتي سألتني: بابا كنت بتشتغل إيه؟
قلت لها: صحفي.
قالت لي يعني بتقبض زي الممثلين؟
ضحكت، وقلبي اتقطع قلت لها: لأ يا بنتي، إحنا بنمثل دور الحياة بس من غير أجر."

الحياة بقت معاش ثابت وكرامة مهزوزة

اتحرمنا من الحوافز والمكافآت طول عمرنا، ورضينا بالمعاش، بس دلوقتي الموظف اللي لسه متعين بياخد ٧ آلاف جنيه كحد أدنى، وإحنا معاشنا ثابت كأننا خرجنا من الخدمة وخرجنا من الحياة معاها.

أين أنتم من الدستور؟

أين أنتم يا حكومة من المادة 27 من الدستور، التي تنص على حد أدنى للأجور وأصحاب المعاشات معًا؟
ولماذا تم تطبيقه على العاملين وتجاهلتمونا؟
أين أنتم من المادة 53 التي تؤكد أن المصريين سواء أمام القانون، وأنه لا تمييز؟
وأين أنتم من المادة 51 التي تلزم الدولة بالحفاظ على كرامة الإنسان المصري واحترامه؟

الدولة نسيت أصحاب الذاكرة… وتذكرنا فقط في صور الأبيض والأسود

قال لي صديقي وهو يمسك بورقة قديمة فيها خبر منشور بإمضائه من 20 سنة
كنت صوت الناس في وقت محدش فيهم يقدر يفتح بقه، كنت بكتب عن الأسعار، عن الفساد، عن العدالة، عن أمل اسمه مصر… دلوقتي كل اللي فاضل لي صورة باهتة في أرشيف جريدة، ووشّي في بطاقة معاش."

العدالة مش بالأرقام العدالة بالضمير

مش هنقول زودوا المعاشات ٥٠٪ أو ١٠٠٪…
إحنا بنقول
خلّوا اللي طالع معاش يعيش!
ما تبصوش له كرقم بيستنزف الموازنة بصّوا له كإنسان قدّم حياته فداءً للوطن.

المعاش مش صدقة المعاش حق

المعاش مش تبرع من الدولة ده استحقاق اتخصم طول العمر، وبيتدفع لنا كأننا بناخد "إحسان"!
قال لي صديقي وهو بيطفي سيجارته الأخيرة
يا ريت كان ليا واسطة يا ريت كنت قريب وزير يمكن كنت خدت معاش استثنائي، أو علاج على نفقة الدولةبس أنا قررت أعيش واموت صحفي غلبان بكرامتي."

رسالة نهائية إلى الحكومة:

صوت صديقي ده مش صوته لوحده.
ده صوت آلاف، ملايين، من اللي أفنوا عمرهم في خدمة بلدهم.
كتبوا، علموا، علّجوا، زرعوا، آمنوا ببلدهم.
لكن لما جه وقت الحصاد. لقوا معاش ما يسدش رمق.

إحنا مش طماعين، ولا حاسدين، ولا بنشحت تعاطف.
إحنا بنطلب المساواة بنطلب الكرامة بنطلب الحياة.
مش عايزين تمثال في الميادين.
إحنا عايزين بس حياة كريمة.

كلمة أخيرة لكل مسؤول:

قبل ما تمضي على قرار زيادة ٤٥٠ جنيه.
جرب تعيش بيهم يومين بس!
اشرب بيهم قهوة سادة.
كل بيهم فول من غير طحينة.
ولما ولادك يسألوك
بابا… فين المصيف؟

قول لهم:
"المصيف السنة دي… في طابور عيش التموين، وعلى اكشاك امان، وعلى باب صيدلية!"