إطلالة
الفساد الأخلاقي
السلطة التنفيذية" 8"
في حلقة جديدة من سلسلة فساد الأخلاق التي نعرضها كل اسبوع ، نتحدث اليوم عن أشكال الفساد الذي تشهده أحدى المؤسسات وكيفية التصدى له وهي السلطة التنفيذية، باعتبارها الذراع الأقوى في جهاز الدولة، موضع اهتمام المواطنين والمراقبين . فهي الجهة التي تنفذ السياسات، وتدير الموارد، وتحتك بشكل مباشر بحياة الناس اليومية، ولذلك أي انحراف أخلاقي في صفوفها لا يمس فقط كفاءة الدولة، بل يزعزع ثقة المواطن ويهدم أسس العدالة والمساواة. وفي حين أن الفساد المالي والإداري هو ما يسلط عليه الضوء عادة، فإن الفساد الأخلاقي في السلطة التنفيذية يمثل وجها أكثر خفاء، لكنه لا يقل خطورة على كيان الدولة واستقرارها.
حينما نتحدث عن الفساد الأخلاقي في السلطة التنفيذية ، لا يقتصر على الرشوة أو المحسوبية فقط، بل يشمل السلوكيات المنحرفة مثل استغلال المنصب لأغراض شخصية، مثل التستر على الجرائم، خيانة الأمانة، تضليل الرأي العام، والتلاعب بالقوانين لتحقيق مكاسب ذاتية.
من المؤسف أن الفساد الأخلاقي في هذه الحالة يكون مقدمة لفساد إداري ومالي، و يخلق بيئة تسمح بتراكم التجاوزات الصغيرة حتى تتضخم وتتحول إلى ظواهر مزمنة تهدد كيان الدولة، وتشجع على التسيب والتلاعب في مؤسساتها. وهناك مئات الحالات التي كشفت عن مدى تغلغل الفساد الأخلاقي في هياكل السلطة. من مسؤولين استغلوا مناصبهم لإبرام صفقات مشبوهة، إلى آخرين مارسوا الابتزاز، مرورا بمظاهر التمييز في توزيع الخدمات، أو تغطية جرائم مقربين. في بعض الحالات، يتم تعيين الأقارب والأصدقاء في مناصب لا يستحقونها، في انتهاك صارخ لمبادئ الجدارة والكفاءة. وفي حالات أخرى، يمارس الضغط على وسائل الإعلام لحجب معلومات حساسة أو تضليل التحفبقات. إن هذه السلوكيات، حين تصدر عن أعلى مستويات التنفيذ، تترك أثراً مدمراً على ثقة المواطنين، وتفقد الدولة مصداقيتها.
وهناك أمثلة واقعية على فساد الأخلاق في السلطة التنفيذية
مثل فساد رؤساء الأحياء ووزير الزراعة ومحافظ المنوفية السابقين ، المتهمين بالرشوة والاستيلاء على المال العام.
وكما نعلم أن لكل مرض أسباب فهذا النوع من المرض ترجع أسباب إنتشاره بين بعض النماذج السيئة من السلطة التنفيذية، إلي
السبب الأول ضعف الرقابة والمحاسبة فغياب الأجهزة الرقابية الفعالة والمستقلة يفتح المجال أمام استغلال السلطة دون خوف من العواقب، والسبب الثاني ثقافة الولاء بدل الكفاءة، حين يُمنح المنصب بناءً على الولاء السياسي أو الشخصي لا على الكفاءة، ولا لخدمة الصالح العام. والسبب الثالث الإفلات من العقاب، فهناك كثير من المسؤولين لا يُحاسبون على سلوكياتهم غير الأخلاقية، بل قد تتم ترقيتهم أو حمايتهم، مما يرسخ نمطاً من السلوك المنحرف.
والسبب الرابع ضعف الوعي المجتمعي، ففي بعض الأحيان، يتم التسامح مع سلوكيات غير أخلاقية إذا كانت نابعة من شخصية نافذة أو محبوبة شعبيا، مما يضعف المقاومة المجتمعية ضد الفساد. والسبب الخامس
غياب الشفافية، فغموض العمليات الإدارية والمالية وعدم نشر المعلومات يعزز مناخ الشك ويتيح المجال للسلوكيات الفاسدة.
المشكلة تكمن في أن آثار الفساد الأخلاقي لا تقتصر على تشويه صورة المسؤول أو الحكومة، بل تتخطي ذلك بصورة أعمق وأكثر خطورة ، حيث تهتز
ثقة المواطن حينما يرى أن من في السلطة يتصرف خارج الأطر الأخلاقية والقانونية، فيشعر بالعجز والاغتراب. بالإضافة إلى
الفساد الأخلاقي يمهد الطريق لتجاوز القوانين وتطويعها لخدمة فئة محدودة، ما يضعف مبدأ العدالة ويعزز الاستبداد. ويؤثر ذلك على الأداء المؤسسي عندما يتخذ مسؤول غير أخلاقي قرارات ضارة بالصالح العام لمجرد إرضاء نزواته أو طموحاته، ما يؤدي إلى سوء التخطيط والهدر وسوء تخصيص الموارد.
وكل هذه الأفعال تؤدى إلى هروب الاستثمارات فالمستثمرون يخشون دخول بيئات تفتقر إلى الشفافية وتغيب فيها القيم المهنية، مما يضر بالاقتصاد الوطني.
مكافحة الفساد الأخلاقي لا يمكن أن تقتصر على القوانين أو العقوبات، بل يجب أن تُبنى على رؤية شاملة تتضمن الإصلاح المؤسسي والثقافي. فلا بد من فرض قوانين تُجبر المسؤولين على التصريح بممتلكاتهم، وتوضح مصادر تمويل المشاريع الحكومية. وإتاحة المعلومات للمواطنين والإعلام حول التعيينات، والمناقصات، والقرارات الكبرى.ولا يمكن مكافحة الفساد الأخلاقي دون قضاء مستقل وهيئات رقابة تملك صلاحيات فعلية. فيجب إبعاد هذه المؤسسات عن أي تأثير سياسي أو شخصي، ومنحها غطاء قانونيا يحميها من الانتقام أو العزل. ولا بد من تعزيز دور الإعلام والمجتمع المدني
بتشجيع الصحافة الاستقصائية وتمكينها من الوصول للمعلومات دون مضايقات.ودعم مؤسسات المجتمع المدني في مراقبة الأداء الحكومي ونشر الثقافة الحقوقية.
ولا بد من حماية المبلغين عن الفساد، من خلال تقديم ضمانات قانونية ومادية لكل من يفضح سلوكا غير أخلاقي في المؤسسة التنفيذية، وتكريمه علنا بدل معاقبته أو تهميشه. وأخيراً المحاسبة الجادة للقيادات العليا.ولا مصداقية لأي حملة ضد الفساد إذا لم تبدأ من القمة. يجب محاسبة من هم في أعلى المناصب إذا ثبتت تجاوزاتهم، وعدم الاكتفاء بكبش فداء من الصفوف الدنيا.
الفساد الأخلاقي في السلطة التنفيذية يمثل آفة خطيرة لا تقل فتكا عن الفساد المالي أو الإداري، بل قد يكون هو الممر الذي تُفتح عبره الأبواب لكل أنواع الانحراف. إن التصدي له لا يتطلب فقط قوانين صارمة، بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ومجتمعا يقظا، ومؤسسات مستقلة لا تخشى المواجهة.
المعركة ضد الفساد الأخلاقي هي معركة من أجل كرامة المواطن، ومن أجل دولة عادلة تُبنى على الشفافية والثقة. وكلما أسرعنا في خوض هذه المعركة، كان مستقبلنا أكثر استقرارًا وعدالة.
وللحديث بقية