«يا خبر»
حرب الوثائق
كشفت إيران قبل أيام عما وصفته بـ «كنز استراتيجى» حصلت عليه من داخل إسرائيل، يتمثل فى آلاف الوثائق والمعلومات السرية، ويتعلق معظمها بالبرنامج النووى الإسرائيلى وعلاقاته الخارجية مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى شاركت فى بناء الأسلحة النووية لإسرائيل.
هذه العملية التى تأتى فى توقيت حرج وظرف إقليمى متوتر وفى ظل تصعيد متسارع بين طهران وتل أبيب وصفها وزير الاستخبارات الإيرانى إسماعيل الخطيب بأنها واسعة النطاق، ومعقدة وشاملة، وجرى التخطيط لها بدقة عالية وستُستخدم فى تعزيز القدرات الهجومية الإيرانية وأن طريقة نقل الوثائق لا تقل أهمية عن محتواها وأنها نُقلت بأمان كامل، وأن نشرها سيتم قريبا ما أضفى بُعدا آخر على تداعيات هذا التطور، لا سيما فى ظل الاختلاف حول تخصيب اليورانيوم الذى يخيم على محادثات الملف النووى بين طهران والولايات المتحدة.
بحسب وزير الاستخبارات الإيرانى أيضا هى عملية متعددة المراحل، وبدأت بالاختراق، ثم استقطاب المصادر، وصولا للمعلومات، وتوسيع نطاقها، قبل أن يعلن: «أصبحنا اليوم أمام كنز استراتيجى بالغ الأهمية».
خيم الصمت على إسرائيل بعد الإعلان الإيرانى عن العملية التى تمثل تطورا نوعيا فى الصراع الاستخباراتى بين الطرفين، ورسالة مدروسة التوقيت فى سياق التصعيد الإقليمى والدولى الراهن مفادها أن ميزان القوى فى الحرب الاستخباراتية لم يعد يميل بالكامل لصالح إسرائيل.. وانطلقت التخمينات والتقديرات حول طبيعة الرد الإسرائيلى المحتمل، وأتصور أن احتمالية الرد العسكرى الفورى من جانب إسرائيل ضعيفة، وزير الاستخبارات الإيرانى كشف أن الوثائق توضح مواقع منشآت حيوية إسرائيلية، ما يعزز منطق الردع أكثر من التصعيد، لكن إسرائيل قد تحاول تنفيذ عمليات مماثلة فى المجال الاستخباراتى، كما فعلت سابقا وأتوقع أن تلجأ إلى تكثيف الهجمات السيبرانية، أو استهداف منشآت نووية وشخصيات عسكرية داخل إيران، أو عبر العمل على تفكيك ما وصفه بـ «شبكات نفوذ إيرانية داخل الأراضى الفلسطينية المحتلة، لكن أن أى تصعيد إسرائيلى قد يقابَل برد إيرانى مماثل، فى ظل تنامى القدرات الاستخباراتية والعسكرية الإيرانية، مما يعنى أن كلفة المواجهة سترتفع بشكل كبير».
إن توقيت الإعلان، المتزامن مع انعقاد اجتماع مجلس محافظى الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتصاعد التهديدات الغربية بتفعيل آلية الزناد ضد إيران، يشير إلى استراتيجية واضحة تهدف إلى تعزيز الموقف الإيرانى فى وجه الضغوط الدبلوماسية الغربية، عبر إظهار امتلاكها أوراق ردع غير تقليدية.
هذه العملية فى رأيى تمت على الأرجح عبر اختراقات سيبرانية وشبكات نفوذ داخل المنظومة الأمنية الإسرائيلية، أظهرت أنها قادرة على توجيه ضربات مضادة فى عمق البنية الاستخبارية للخصم وتمثل ردا استراتيجيا على سرقة الأرشيف النووى الإيرانى من قبل الموساد عام 2018، وتُظهر تحولا فى قواعد اللعبة، حيث لم تعد إيران فى موقع الدفاع فقط، بل باتت قادرة على المبادرة والهجوم الاستخباراتى فى ما يُعرف بـالمجال الرمادى، أى الفضاء غير المعلن للحرب بين الدول، كما أنها لا تعكس فقط تطور إيران فى مجال الاستخبارات، بل قد تكون مقدمة لتحولات أوسع فى المعادلات الإقليمية، خاصة إذا ما تكررت مثل هذه العمليات أو استُخدمت بشكل ذكى فى الساحة الدبلوماسية والإعلامية.
السؤال المهم، بماذا ستستفيد إيران من هذه المعلومات السرية؟ مما لاشك فيه أن امتلاك إيران لمعلومات عن البرنامج النووى الإسرائيلى والتعاون السرى بين تل أبيب وبعض العواصم الغربية، قد يمنحها أوراق ضغط إضافية فى المفاوضات النووية، سواء عبر إحراج الغرب أو تبرير خطوات تقليص التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما أن نشر هذه الوثائق أو التهديد بذلك قد يُحدث تحولا فى الرأى العام العالمى، ويضع ضغوطا على الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة وأوروبا، لتفسير دعمها لبرنامج نووى إسرائيلى غير خاضع للمراقبة، فى وقت تضغط فيه على إيران بشدة.
والسؤال الثانى المهم أيضا، ما تأثير هذه العملية على علاقة إسرائيل بالدول التى ورد ذكرها فى الوثائق؟، والإجابة بالطبع أنها ستُضعف الثقة بين إسرائيل وحلفائها الذين سيشككون فى قدرة إسرائيل على تأمين أسرارها الحساسة، فقد يترددون فى مشاركة معلومات استراتيجية معها.
إن حرب الوثائق بين طهران وتل أبيب ليست وليدة اللحظة، بل تمتد إلى سنوات طويلة، فملف إيران النووى بدأ عام 2002 بوثائق قيل إنها مسرّبة وتخص البرنامج النووى الإيرانى غير أن الأعوام الأخيرة شهدت تصعيدا لافتا من جانب إسرائيل، التى نفذت عمليات اغتيال وتسلل وتخريب، فى محاولة لإظهار تفوقها.
أخيرا: امتلاك طهران لوثائق دقيقة -إن صحّت- تتعلق بالبرنامج النووى الإسرائيلى، أو دعم القوى الكبرى له، يُعد تطورا نوعيا، كما أن فاعلية هذه الوثائق لا تقتصر على بُعدها الاستخباراتى، بل ستوفر لطهران ورقة ضغط مهمة لاسيما فى مواجهة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فكثير من الإشكالات بين طهران والوكالة ارتبطت بدراسات تزعم أنها استندت إلى معلومات قيل إنها مأخوذة من أجهزة مسروقة أو من خلال عمليات اختراق.