نظام عالمي جديد ينبثق من الشرق.. "منظمة الوساطة" تتحالف مع العرب لدفن "اللعبة الصفرية"
شهدت مدينة هونغ كونغ حدثًا مفصليًا في تاريخ العلاقات الدولية، حيث وقع ممثلو 32 دولة على اتفاقية تأسيس "المنظمة الدولية للوساطة"، بحضور ممثلين رفيعي المستوى من أكثر من 50 دولة ونحو 20 منظمة دولية، جاء الإعلان كرد على إخفاقات النظام الدولي الحالي في حل النزاعات، خاصة في ظل تصاعد الأزمات كالحرب في غزة واستمرار استخدام "الفيتو" لتعطيل إرادة المجتمع الدولي .
وفقًا لتحليل الخبراء، يمكن لهذه المنظمة التعاون مع جامعة الدول العربية عبر إنشاء منصة وساطة عربية-دولية دائمة، تستند إلى آلية تشاور مسبق لتنسيق المواقف قبل عرض القضايا في مجلس الأمن، مع توظيف الآليات المرنة للمنظمة الجديدة في تقديم بدائل سريعة عند تعطيل المجلس.

من جانبه قال السفير حسين هريدى مساعد وزير الخارجية الأسبق، في تصريحات لـ"الوفد" أن الدول العربية ستحرص على تعاون وثيق مع المنظمة الدولية للوساطة التي أطلقتها الصين مؤخرًا من هونغ كونغ، مشيرًا إلى أن هناك تعاونًا بين جامعة الدول العربية والصين يستند إلى تقارب المواقف الصينية والعربية في الملفات الدولية، لاسيما القضية الفلسطينية، وفي المجالات الاقتصادية والثقافة أيضًا.
وقال هريدي: "مواقف الصين المشرفة في رفض الحرب الإسرائيلية على غزة، وتأكيدها المستحق على الحق الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة، يجعلان منها شريكًا طبيعيًا للعرب". مضيفًا أن هذا التعاون سيسهم في تعزيز صورة المواقف العربية لدى الرأي العام الآسيوي والصين

وفي ردٍ على سؤال حول إمكانية إنشاء صندوق عربي-صيني لإنقاذ المنطقة في حال تعنت مجلس الأمن قال هريدي: " مسألة مجلس الأمن تختلف جذريًا عن آلية المنظمة الجديدة، فالعضوية وحق الفيتو في المجلس يخضع لمعايير ، بينما تهدف مؤسسة الوساطة إلى تقديم بدائل عملية لتسوية النزاعات".
وعن دور المنظمة في إصلاح نظام الفيتو، أشار هريدي إلى أن "الأمم المتحدة تشهد نقاشات مستمرة حول إصلاح مجلس الأمن، وقد تسهم المنظمة الجديدة عبر تقديم مقترحات وأبحاث، لكن القرار النهائي يبقى بيد الدول الأعضاء في مجلس الأمم".
ولفت إلى أن "الصين تسعى لتعزيز وجودها في العالم العربي، وهو أمر تستحقه بمواقفها التاريخية الداعمة للقضايا العربية، لاسيما القضية الفلسطينية التي ظلت تتبناها بثبات".
وفي هذا السياق، قالت بوني غلاسر المديرة التنفيذية لبرنامج المحيطين الهندي والهادئ في صندوق مارشال الألماني بالولايات المتحدة:" أن الصين تصور نفسها وكأنها صانعة للسلام في مواجهة ما تزعمه من دور أمريكي مزعزع للاستقرار".
ومن جانبه أكد باحث القانون الدولي محمد عبد الحليم في تصريحاته للوفد أن تدشين منظمة الوساطة الدولية من هونغ كونغ يعكس إدراكًا عميقًا للحاجة الملحة لإعادة التوازن في النظام الدولي، معتبرًا أنها "خطوة مسؤولة تجاه تجاوز عقلية اللعبة الصفرية التي تهيمن على علاقات القوى العظمى، لصالح منطق التعاون والحلول السلمية".
وأوضح عبد الحليم، أن المؤسسات التقليدية وعلى رأسها مجلس الأمن تواجه "أزمة وجودية" بسبب التسييس الحاد والاستخدام المتكرر للفيتو - خاصة من الولايات المتحدة - ما يعطل تحقيق العدالة في قضايا دولية كالقضية الفلسطينية، مضيفًا: "هذا العجز يتعمق مع ضعف تطبيق أحكام محكمة العدل الدولية، وعجز المحكمة الجنائية الدولية عن محاسبة مرتكبي انتهاكات القانون الإنساني بسبب ازدواجية المعايير".
ورأى الباحث القانوني أن المبادرة الصينية تمثل "محاولة واقعية لسد الفراغ القانوني الناجم عن اختراقات المنظومة الدولية"، مشيرًا إلى قدرتها على تقديم منصة بديلة محايدة بعيدًا عن التحيزات الجيوسياسية، ودعا في هذا الصدد جامعة الدول العربية إلى "بناء شراكة استراتيجية مع المنظمة الجديدة لتعزيز الصوت العربي في المحافل الدولية، والدفاع عن حقوق الشعوب العادلة".

وشدد حليم على أن العالم بحاجة ماسة لمبادرات تعيد الاعتبار لسيادة القانون الدولي، معربًا عن أمله في أن تشكل المنظمة الجديدة عند التزامها بالحياد والشفافية "إضافة نوعية تعيد الأمل في نظام عالمي أكثر توازنًا وإنصافًا".
ويرى الدكتور بيورن ألبيرمان، أستاذ الدراسات الصينية في جامعة فورتسبورغ، أن الصين تقدم نفسها كـ"وسيط سلام بديل لأمريكا"، خصوصًا بعد نجاح وساطتها بين السعودية وإيران، ما يخلق أرضية مشتركة مع الجامعة العربية لمعالجة ملفات مثل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي والأزمة اليمنية .
وفقًا لتقرير "مستقبل العلاقات العربية الصينية"، تفتقر الصين لشبكة علاقات عميقة مع الفاعلين غير الرسميين في المنطقة، بينما تملك الجامعة العربية هذه الشبكة. يمكن تعويض هذا عبر تمكين المنظمة الجديدة من الاستفادة من القنوات الدبلوماسية العربية للتواصل مع جميع الأطراف.
يشكل الوضع في غزة الفرصة الأكثر إلحاحًا لاختبار هذه الشراكة. بعد الفيتو الأمريكي الأخير ضد وقف إطلاق النار، يمكن للمنظمة والجامعة العربية بالعمل على ملف غزة ، مستفيدين من تجربة الصين في استضافة مباحثات فتح-حماس أخيرًا، والتي ركزت على "تحويل المواجهة إلى حوار" وفق تصريح المتحدث باسم الخارجية الصينية لين جيان.
كما يمكن إنشاء صندوق وساطة عاجل بتمويل مشترك من الدول العربية والصين، يدعم عمليات الإغاثة الموازية للوساطة، مستندًا إلى النموذج الصيني في اليمن الذي يجمع بين الدعم الإنساني والمشاريع التنموية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.
تخلق المنظمة الدولية للوساطة فرصة تاريخية لإعادة تعريف الدبلوماسية في الشرق الأوسط. التعاون مع جامعة الدول العربية ليس خيارًا فحسب، بل ضرورة لثلاثة أسباب: قدرة الصين على تقديم غطاء سياسي دولي، وفي ذلك الوقت امتلاك الجامعة العربية للأدوات الإقليمية لمعالجة تعقيدات النزاعات، والحاجة الملحة لسد الفراغ الناجم عن استمرار استخدام الفيتو. كما قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال حفل التأسيس: “في عالمنا المتشابك، أصبح التفاهم خيارنا الوحيد”، هذه العبارة قد تكون جوهر الرهان العربي-الصيني المشترك.