خارج المقصورة
اختنق الحلم
لم تكد أنفاس مجتمع سوق المال تلتقط زفير الارتياح حتى اختنق الحلم فى حلقه! فالإعلان الذى حمل بشائر استبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية بضريبة الدمغة، لم يدم وقع سحره طويلًا، إذ سرعان ما خيم الصمت الحذر، وارتفعت الحواجب دهشة، وارتجفت القلوب قلقًا. لماذا؟ لأن الإعلان – بكل ما فيه من بريق جاء خاليًا من التفاصيل الجوهرية للنسبة الضريبية.
قصة ضريبة البورصة وضريبة الدمغة هى حكاية امتدت على مدار 11 عامًا، بين أخذ ورد، شد وجذب، حتى جاء الحسم لصالح «الدمغة». وللوهلة الأولى، بدا المشهد كما لو أنه نهاية سعيدة لرواية طويلة... «كلام جميل وكلام معقول، ما نقدرش نقول حاجة عنه». لكن، نصف الحقيقة أحيانًا أخطر!
الفرح الذى اجتاح السوق سرعان ما تبخّر مع سؤال بسيط، لكنه مرعب: كم ستكون النسبة؟ فالفارق بين ضريبة تشجّع على الاستثمار وأخرى تخنق التداولات، قد يكون مجرّد عُشرٍ من الألف. والمخاوف بدأت تتسلل بين المستثمرين، لا سيما مع الحديث غير المؤكد أن الضريبة قد تُطبق بنسبة 1.25 فى الألف، كما هو الحال مع الأجانب. حينها، يمكن القول «يا ريت يا أبو زيد ما غزيت».
المصيبة الأكبر؟ أن التداولات اللحظية تعاملات ذات الجلسة – قد لا تُستثنى من هذه الضريبة. حينها، لن نتحدث فقط عن انتكاسة، بل عن ضربة قاصمة تعيد السوق إلى مربع الصفر.
بين التفاؤل الحذر والمخاوف المقلقة، يقف سوق المال الآن فى مفترق طرق: هل يكون هذا الإعلان بوابة لإصلاح حقيقى، أم مجرّد طلاء يخفى وراءه قنبلة موقوتة.
فى الوقت الذى تتحدث فيه الحكومة عن برنامج طموح يضم نحو 60 شركة تُجهّز للطرح، بين مستثمر استراتيجى، وكتلة أعظم من هذه الشركات تستعد لشق طريقها عبر الاكتتاب فى البورصة، لكن وسط هذا الزخم، تلوح فى الأفق سحابة مثقلة بالقلق: الضرائب المبالغ فيها، التى إن لم يُعاد النظر فيها، قد تكون بمثابة رصاصة فى قدم الطروحات المنتظرة.
ليس من الحكمة أن تُهيئ الحكومة الأرضية للطرح، ثم تُفخخها بإجراءات ضريبية تعوق الانطلاقة.. الطروحات ليست مجرد أرقام تُعلن، بل مناخ يُبنى، وثقة تُزرع، ورسائل تُرسل للمستثمر المحلى والأجنبى على حد سواء.... وأى قرار يُثقل كاهل السوق – مهما كان مبرره – قد يجهض هذا الجهد من مهده...الأسواق المجاورة، وقد سبقت بخطى واثقة، مدعومة بحوافز مدروسة، وتسهيلات مغرية، اجتذبت كبار المستثمرين، و«عتاولة» التداول الذين لم يجدوا بُدًّا من التحوّل حيث البيئة الاستثمارية أكثر رحابة.
< يا سادة... رغم سحابة القلق التى لا تزال تخيّم على الكتلة الأكبر من مجتمع سوق المال، لا بد أن نتحلى بالإنصاف: التحرك فى حد ذاته يُحسب للحكومة. بعد سنوات، وصلت الأمور إلى مرحلة يمكن وصفها بأنها «بايخة»، ومع ذلك جاء القرار أخيرًا ليكسر حالة الركود، حتى وإن حمل بين طياته بعض الغموض والمخاوف....لكن قبل توجيه الشكر للحكومة، لا يمكننا تجاهل الدور المحورى الذى لعبه رئيس البورصة، أحمد الشيخ، الرجل الذى خاض معركة هادئة لكن شرسة من أجل مصلحة السوق والمستثمرين. سعى، ودافع، من أجل أن تكون ضريبة الدمغة بنِسبة ضئيلة وعادلة، تحفظ للسوق روحه، وتمنح المستثمرين بعض الطمأنينة فى خضم التحديات.