مسار القهوة
بِر ما بعد الموت
فى ذكرى وفاة والدى (رحمه الله).. من الفقد أيقنت أن الفواجع لا تُنسى ولو مر عليها دهر، وأن الحزن على الراحلين لا يموت، نعم نمضى، نتجاوز، نتناسى، لكن ذكرى رحيلهم تتجدد مع كل خبر وفاة، وكأنه جرح لا يلتئم!
ففراق الموت موجع، وذلك لأنه من المُحزن أن تفارق روحًا كانت جزءًا منك دون أن تتألم، فالأحبة يرحلون ويتركون فى القلب ندبات لا يزول أثرها حتى إن توالت الأيام ومرت السنون.. من دونهم يبكى القلب ويجف بُكاء العين؛ فما أصعب ذلك حين تبحث عن مدامعك فلا تجدها؟!
وبعد الفقد ينقطع اللقاء، ولكن يبقى البر، فإذا كان بر الوالدين فى حياتهما قد جمع من الخير أكمله، ومن الإحسان أجمله، فإن الاستمرار على ذلك بعد وفاتهما أكمل وأجمل، فحاجتهما إلى هذا البر أكبر، ونفعه لهما أعظم.
ومن فضل الله تعالى على الآباء والأبناء جميعا أنه لم يوقف البر على حياة الوالدين، ولم يقطعه بموتهما، بل أبقى حقوق البر على الابن بعد موت والديه لمن أراد الخير، وليفتح أبواب النفع أمام الحى والميت جميعاً.
فقد روى أبو داود فى سننه، عن أبى أسيد مالك بن ربيعة الساعدى قال: «بينما نحن عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل من بنى سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقى على من بر أبوى شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التى لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما».
ومن هنا تتعدد أشكال بر الوالدين بعد موتهما بالاستغفار لهما وطلب العفو والصفح والمغفرة، ويعد ذلك من أفضل الأدعية وأجلها، ومن ذلك دعاء الأنبياء لوالديهم كما قال نوح عليه السلام: {رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَى وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِى مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} (نوح:28). وقال إبراهيم عليه السلام {رَبَّنَا اغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَى وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَاب} (إبراهيم:41) وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التى لا توصل إلا بهما، فصلة الرحم واجبة فى حد ذاتها، وتكون أوجبَ بعد وفاة الأصول كالأب والأم، ومن عظيم البر وعلامات الحب والتقدير للآباء والأمهات صلة الأصدقاء بعد وفاة الوالدين؛ فعن ابن عمر رضى الله عنهما، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ» (رواه مسلم)
وفى النهاية، تظل أمنية اللقاء فى ظلال الجنة، فاللهم اجعل ملتقانا على ضفاف نهر الكوثر، اللهم إن الشوق تعاظم، وقد دمعت عينى فقدًا، اللهم ارحم أبى الذى لم يُحزننى إلا برحيله عنى.
أستاذ الإعلام المساعد بكلية الآداب - جامعة المنصورة