بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

قصية ورأي

استرداد الوعى

ثمانية وخمسون عاما بالتمام والكمال، تمر هذا الأسبوع، على ذكرى النكسة.

لم تكن نكسة 67، نهاية للعرب بل كانت بداية لتاريخ من التأمل والمراجعة.. والدليل هو الصمود الذى تلاها.

لقد استيقظ العرب على وقع الهزيمة، واكتشفوا أن الوعى الحقيقى لا يُولد من التصفيق للزعامات، بل من السؤال والنقد والعمل الجاد. لقد أسفرت النكسة عن جراح عميقة، لكنها أيضًا فجّرت طاقات فكرية وثقافية لم تكن ممكنة فى ظل الخطاب التقليدى.

إن استعادة الوعى العربى بعد النكسة لم تكن مجرد استعادة للكرامة، بل كانت أيضًا بداية رحلة نحو التحرر من التبعية، وإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة، والعقل والواقع، والشعار والفعل.

وما أحوج العرب اليوم إلى استعادة هذا الدرس مجددًا، فى زمن تتكاثر فيه النكسات وتتراجع فيه الطموحات. فالتاريخ علمنا أن الشعوب الحية لا تستسلم، بل تنهض، وتتعلم، وتعيد بناء ذاتها بإرادة لا تنكسر.

كانت نكسة يونيو 1967 واحدة من أكثر اللحظات قسوة فى التاريخ العربى الحديث. فقد أسفرت عن هزيمة كبرى لجيوش ثلاث دول عربية أمام إسرائيل، واحتلال مزيد من الأراضى، وبالخصوص القدس الشرقية وسيناء والضفة الغربية والجولان. لكن النكسة لم تكن فقط هزيمة عسكرية، بل كانت هزيمة حضارية ونفسية وثقافية. لقد زلزلت الثقة فى المشروع القومى العربى وفى زعاماته وشعاراته، وطرحت أسئلة جوهرية حول أسباب الانحدار العربى.

غير أن الشعوب لا تموت بالهزائم، بل كثيرًا ما تكون النكسات محطات للتحول وإعادة النظر. وقد مثّل ما بعد النكسة مرحلة صعبة، لكنها كانت أيضًا بداية لصحوة فكرية وثقافية ونقدية عميقة أسهمت فى استعادة الوعى العربى، ولو جزئيًا، بمشكلاته الحقيقية

قبل النكسة، ساد نوع من الخطاب التعبوى المليء بالحماسة والشعارات الكبرى، دون أن يكون مسنودًا بتحليل دقيق للواقع أو استعداد حقيقى للصراع. كان المواطن العربى يُحقن يوميًا بخطابات عن الوحدة والتحرير والكرامة، لكن الهزيمة المدوية كشفت الغطاء عن الواقع الضعيف للأنظمة، وعرّت الفجوة بين الخطاب والممارسة.

لقد كانت النكسة أشبه بـ«زلزال نفسي» ضرب العقل الجمعى العربى، وأدى إلى انهيار تصورات راسخة.

الآن.. ربما حدثت نكسات عربية غير مسماة، دمرت دولا عربية لعقود.

أما أحدث النكسات وربما أكثرها خزيا، تلك الإبادة لأبناء غزة.

فبينما فى أعقاب نكسة 1967 بدأت المقاومة عسكريا ودبلوماسيا ودعائيا، فإننا حاليًا نعيش مرحلة صمت وسكون تام.

خواء عربى قاتل.

الآلة العسكرية الإسرائيلية تلتهم الفلسطينيين، ونحن كعرب تحسبنا جميعا وقلوبنا شتى.

كان من ثمار ما بعد نكسة الستينيات، الميل إلى ممارسة النقد الذاتى، سواء فى الفكر أو الإعلام أو حتى على مستوى الدولة.

لكننا حاليًا تحولنا إلى صراعات عربية -عربية، وكأن العدو هنا وليس هناك.

تحولنا وربما إلى الأبد، نحو تشتت ثقافى وأيدلوجى، لن ينفذنا منه إلا نقد ذاتى.

وكل ما نتمناه أن تبدأ مراجعات عربية داخلية، لتصحيح المسار قبل فوات الأوان.