الإعلام .. عسلاً وعلقمًا
الدراما الكورية اجتاحت المنصات الجديدة بصورة تستدعى الانتباه حيث إنها دراما مغايرة ومختلفة تماماً عن مثيلتها من الدراما الأمريكية أو التركية أو دراما أمريكا اللاتينية وتلك تحظى بشعبية ونسبة مشاهدة عالية في منطقة الخليج والوطن العربي ومع أن الدراما الأمريكية على المنصات الجديدة تمتلئ برسائل سلبية عن المثلية والجنس وإباحية كل المحرمات وعبادة المال وانهيار الأخلاق وسيادة العنف؛ فإن الدراما التركية تلعب على أوتار المشاعر الإنسانية والعاطفية وقصص الخيانة والحب والعلاقات المشبوهة مثلها مثل دراما أمريكا اللاتينية والدراما الهندية وتكون المشاهد الخارجية والملابس الأنيقة والحياة المرفهة هي المفتاح لجذب المزيد من المتابعين والمشاهدين الذين يتأثرون سلباً بهذه القيم الجديدة مع تغييب للفكر والعقل والانغماس في الحواديت والحكايات والقصص التافهة التي لا تضيف ولا تنمي السلوك أو تهذبه بل على العكس ترسخ مفاهيم وقيم معظمها لا أخلاقي؛ وعلى النقيض من كل هذا نجد الدراما الكورية والتي بدأت منذ أكثر من عشرة أعوام تقدم دراما تاريخية عن حقب زمنية ماضية عن تاريخ كوريا وعن العادات والتقاليد وأهمية العلم وكذلك بعض الأساطير والمعتقدات المعبرة عن تلك المنطقة بعيداً تماماً عن الأديان حيث الدين هناك له طقوس وعادات مختلفة مرتبطة بالطبيعة في طورها الأولى ، كما قدمت العديد من المسلسلات عن الأكل أو أنواع الطعام والدور الذي يلعبه في حياة القصور والملوك والأمراء والشكل الهرمي لهذه المجتمعات آنذاك وبعد فترة بدأت الدراما الكورية تقدم أعمالاً حديثة عن المجتمع الكوري و التقدم وعن التطور الذي أصابه والتحول نحو الغرب ومحاكة النموذج الغربي مع الاحتفاظ الدائم ببعض من التقاليد والطقوس الكورية القديمة ، وفي المجمل كانت المرأة الكورية في تلك الأعمال هي البطلة دائماً وهي المحرك لكل الأحداث والصراعات فلا ملكية ولا قصور ولا حياة ولا طعام ولا صيد ولا تجارة إلا إذا كانت البطلة هي المرأة المحركة لجميع الخيوط دون إسفاف أو تدني أو هدم للقيم والمنظومة الأخلاقية ... ومسلسل «عندما تمنحك الحياة اليوسفى» عن رواية أدبية يؤرخ لتاريخ كوريا الحديث من خلال قصة امرأة تعمل في احدى القرى الساحلية بمهنة الغوص والصيد وكيف استطاعت أن تربي وتنشئ ابنتها الشاعرة الأدبية التي واجهت متغيرات الحياة والفقر واليتم وفقدان الأم والأب والأسرة مع إصرار عجيب على الاستمرار وتحقيق الحلم بأن تصبح ابنتها متعلمة وتحظى بقدر من التعليم العالي في العاصمة «سول» وكيف تغيرت حياة القرية والصيد والعادات والتقاليد مع التغير السياسي في كوريا والأزمات الأقتصادية كل هذا دون الدخول في قضايا الجنس والمثلية وعبادة المال وهدم الأسرة على العكس كان العمل الدرامي دائماً ما يؤكد على أهمية دور الأم والأب والأسرة والأخلاق وأن الترابط الأسري يعتمد على الدين القديم والطبيعة والأساطير المتعلقة بالحب والرزق والزواج والعلاقات الإنسانية.
في عيد الإعلام والإعلاميين وبمناسبة مرور 101 عاماً على إنشاء الإذاعة المصرية في عام 1934 علينا أن نخرج من دائرة التكريمات والاحتفالات المظهرية وتبادل التهاني والدروع والشهادات، وكذلك من فلك المؤتمرات والندوات التي نحدث فيها أنفسنا ونلتقط الصور لنشرها على المواقع والصحف .. أو التصريحات العنترية والوعود الإنتخابية السياسية البراقة وأن نبدأ في التغيير والإصلاح والتطوير الجاد والحقيقي لمعنى ومفهوم الإعلام من شفافية وحرية منضبطة ورقابة مسؤولة ودراما متنوعة تحمل العادات والتقاليد والقيم المصرية معبرة عن التاريخ والواقع وآماله في مستقبل أفضل؛ ولا نقلد الغرب ولانحاكي التركي والهندي والأمريكي وإنما نعبر عن ذواتنا عل الحياة تمنحنا يوماً يوسفي أو عسلاً ومناً وسلوى بدلاً من ذلك العلقم.