بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

خارج السطر

لا تصدق مبدعاً يكره الزحام

لدى اعتراف مهم هو أننى لم أحب الكاتب الكبير يوسف إدريس رغم روعة إبداعه. صحيح فإن قصصه ساحرة وجذابة جدا، وصحيح أن فنه رفيع وعميق ومؤثر، ومع ذلك فقد أقام الصلف والزهو الذى اتسم به وتواتر حكايات الغطرسة عنه حواجز عالية لم أتجاوزها.
كانت أزمتى الحقيقية مع يوسف إدريس هى أننى قرأت مواقفه قبل أن أقرأ له. استفزتنى أحكامه الحدية على مخالفيه بالتحقير والتخوين، وحزنت بشدة أن يُبدى شماتة فى اغتيال الرئيس السادات ويصفه بالخائن الذى نال جزاءه المستحق. ثُم حزنت جدا من موقفه فى التشنيع على نجيب محفوظ بعد فوزه بنوبل، وإشاراته المتكررة بأنهم فضلوه عليه لموقفه من اتفاق كامب ديفيد. وبالطبع لم أصدق تلك الرواية الساذجة التى روّج لها بأنه رفض عرضا تاليا بمنحه جائزة نوبل مناصفة مع كاتب إسرائيلى.
وقبل سنوات طويلة، وفى بداية مشواره الفنى استوقفنى أداء الفنان محمد رمضان التمثيلى، فوجدته مُبهرا ومُتقنا وقادرًا على امتاع متابعيه، وتوقعت صعودا عظيما ونجاحا ساحقا له. غير أن الصعود السريع أمرضه، فهيمنت النرجسية والاستعلاء على روحه، فخصمت منه، وانساق وراء استفزاز الحساد له فتكبّر وتضخمت ذاته، حتى غلبت الحكايات والمواقف الدالة على الغرور كل شىء، فهجرت متابعته، وفارق اهتمامى تماما.
ومثلهما كثيرون، بنوا صروح جمال رائعة وساحرة وصعدوا إلى قمم شاهقة، لكنهم نظروا باستعلاء وتكبر إلى الناس، الذين صفقوا لهم، وتابعوهم، وشجعوهم، فسقطوا سريعا من الأنظار، لأنهم غادروا الأفئدة.
وهذا درس مُهم لكل مُبدع ناشىء: لا تغتر ولا تتكبر. اخفض جناحك للآخرين، فللنجاح ضرائب فكُن حريصا على سدادها.
إن الناس هُم سر الخلود، محبتهم جوائز، ورضاهم نجاح عظيم. لا مبدع حقيقي منفصل عن طين الأرض، مُنعزل وغائب وبعيد أو منقطع عن لمة الأحباب. يقول لى صديقى الكاتب الجميل خيرى حسن »لا تصدق مبدعا ينفّر من الزحام»، فالصدق فى الجمال صدق فى الخصال.
يحكى لنا الكاتب الجميل محمد الشاذلى فى كتابه الرائع »أيام مع نجيب محفوظ» الصادر عن هيئة الكتاب كيف كان المبدع العظيم متواضعا وبسيطا ومتسامحا إلى أقصى مدى. كان يتلقى رسائل قبل زمن الفيسبوك والإيميل فيحرص على الرد عليها بنفسه، وكان يسير فى الشارع فيستوقفه أحد فيُصغى له فى اهتمام. يعرض عليه أحدهم قصة ما، فيقرأها ويُخبره برأيه بكل محبة وعفوية. وعندما رحل يوسف إدريس، نسى نجيب محفوظ ما فعله، وأبدى تأثرا بالغا وكتب مقالا فى الأهرام بعنوان «وداعا يوسف إدريس» قال فيه إن ميلاده الأدبى كان ثورة أدبية عظيمة، كما كانت كتاباته ثورة مستمرة وملهمة.
وهكذا هُم المنيرون: طيبون طيبون، وقريبون من الجميع، لا عداوات ولا ثارات لديهم، متسامحون، يتقبلون النصح والنقد، يتجنبون المعارك العبثية، ويسعون دائما إلى التجويد، وتطوير الذات، فالعمر قصير لديهم، قصير مهما طال.
والله أعلم

[email protected]