عبودية الجيب الذكي
لقد ولدتنا أمهاتنا أحرارا ً فكيف استعبدنا جهاز المحمول ؟ بهذا السؤال الحاد، نستفيق على مفارقة عجيبة في زمن يزعم أنه يمنحنا حرية بلا حدود، فما الذي جعل أداة ً اخترعها الإنسان لتسهيل حياته، تتحوّل إلى سيد يتحكم في وقته، انتباهه، وعلاقاته ؟ لم يُرسل إلينا الهاتف المحمول جيوشا ً، ولا فرض نفسه بالسلاح، بل تسلل إلى حياتنا بهدوء، كصديق أنيق يحمل وعودا ً بالتواصل، والتسلية، والمعرفة، ثم شيئا ً فشيئا ً ، صار هو الحاكم غير المُنتخب لعقولنا ! نستيقظ على صوته، وننام على ضوء شاشته، ونرتب مواعيدنا وأفكارنا وأمزجتنا وفقا ً لما يعرضه، أو يخفيه، أو يقترحه. صار الوقت الذي نقضيه معه أطول من الوقت الذي نقضيه مع أهلنا وأصدقائنا. صرنا نحدّق فيه أكثر مما ننظر في وجوه من نحب. وحين يُطلب منّا فصله لدقائق، نشعر وكأننا نُجبر على قطع شريان من شرايين حياتنا. العبودية الجديدة لا تحتاج إلى أغلال من حديد، بل تكفيها إشعارات واهية، ومساحة لا نهائية من التمرير والتشتيت. نحن في زمن لا يُفرض فيه السجن، بل يُطلب طوعا ً ونقبله، ما دام فيه شاحن وكابل وسماعة. تأمل كيف تحوّل المحمول من وسيلة إلى غاية، ومن أداة إلى مركز الكون، ومن خيار إلى إدمان ! بل الأدهى، أنه جعلنا نُقنع أنفسنا أننا أحرار، ونحن نركض خلف "لايك"، ونقلق من "تفاعل"، وننشر كل ما نملكه كي نظل في "الاهتمام". فهل نحن أحرار حقا ً ؟ أم عبيدا ً نرتدي أقنعة الحرية الرقمية ؟ ربما حان الوقت أن نسأل أنفسنا بصدق : هل ما نملكه في جيوبنا؛ نملكه حقا ً ؟ أم هو الذي بات يملكنا ؟