بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

حكاوي الصالحين

في طريق الحب الإلهي.. رجل يتزوّد بـ"كهيعص" ويصل إلى بيت الله

بوابة الوفد الإلكترونية

 في عالم يمتلئ بالحسابات والتجهيزات والماديات، يطل علينا من بين دفاتر التاريخ حكاية من زمن الأولياء، حكاية تشبه الأسطورة لكنها نُقلت من أفواه الصالحين، وأثبتها الإمام اليافعي في كتابه "روض الرياحين في حكايات الصالحين"، عن رجل سلك طريق الحج لا يحمل شيئًا سوى يقينه بالله وخمسة أحرف من القرآن الكريم.

 يروي الإمام مالك بن دينار، أحد التابعين المعروفين، أنه خرج يومًا حاجًا إلى بيت الله الحرام، فصادف رجلًا يمشي في الطريق لا يحمل زادًا ولا راحلة، فسأله متعجبًا: "من أين أنت؟" فأجابه: "من عنده"، فسأله مجددًا: "وإلى أين؟" فقال: "إلى بيته". وعندما سأله عن الزاد قال: "تزودت بخمسة أحرف: كهيعص".

ولما استفسر مالك بن دينار عن معنى هذه الحروف، قال الرجل في خشوع:

  • الكاف: كافٍ
  • الهاء: هادٍ
  • الياء: مؤوٍ
  • العين: عالم
  • الصاد: صادق

 ثم أضاف بثقة ملؤها الإيمان: "ومن صحب كافيًا وهاديًا ومؤويًا وعالمًا وصادقًا فلا يضيع، ولا يخشى، ولا يحتاج إلى الزاد والراحلة".

 رفض الرجل أن يأخذ قميص مالك حين عرضه عليه، قائلاً: "العُري خير من قميصك، فالدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب".

خشوع في الطريق إلى الله:

 وكان الرجل في كل ليلة يرفع رأسه إلى السماء قائلًا:"يا من لا تنفعه الطاعات ولا تضره المعاصي، هب لي ما لا ينفعك واغفر لي ما لا يضرك".

 ولما أحرم الناس ولبّوا، امتنع عن التلبية خشية أن يُردّ عليه، قائلاً: "أخاف أن أقول: لبيك، فيقال لي: لا لبيك ولا سعديك".

 ثم غاب عن ناظري مالك حتى رآه في منى وهو يبكي وينشد شعرًا يخاطب فيه محبوبه الإلهي:

إن الحبيبَ الذي يرضيهِ سَفكُ دمي
دمي حلالٌ لهُ في الحلِّ والحَرَمِ

طافوا ببيتِك بالأقدامِ عاكفةً
وأنا طفتُ بكَ وحدي بلا قدمِ

للناسِ حجٌّ ولي حَجٌّ إلى سَكَنٍ
أُهدي دموعي وأهدي الروحَ في القِدَمِ

خاتمة حكاية صوفي:

 وفي يوم النحر، قال الرجل باكيًا: "اللهم إن الناس قرّبوا إليك ضحاياهم، وأنا لا أملك إلا نفسي، فتقبلها مني".

ثم رفع بصره إلى السماء، شهق شهقة وخرّ ميتًا، قام مالك بتجهيزه ودفنه، وقضى ليلته متأملًا في شأنه، فرآه في المنام، وسأله: "ما فعل الله بك؟"فأجابه: "فعل بي كما فعل بشهداء بدر، وزادني". سأله: "ولِمَ زادك؟" قال: "لأنهم قتلوا بسيوف الكفار، وأنا قُتلت بمحبته".

 

 تظل هذه الحكاية التي نقلها الإمام اليافعي في كتابه "روض الرياحين"، واحدة من أرقى تجليات الحب الإلهي في التراث الإسلامي، حيث لا الزاد ولا الراحلة يمكن أن يُغنِيا عن قلبٍ واثقٍ بالله، مملوءٍ بمحبة لا يُدركها عقل، بل تسكن الأرواح الخاشعة.