سنة أولى ترشُّح!!
حسنًا فعل مجلس النواب بزيادة قيمة مبلغ التأمين الخاص بالترشح فى الانتخابات النيابية ضمانا لجدية الترشح من جانب، وللحد من الترشحات المظهرية غير الجدية لمجرد الحصول على لقب مرشح سابق خاصة لمن ينتوون الترشح وخوض التجربة للمرة الأولى.
الكاتب الكبير محمد سلماوى كتب فى مقال سابق له فى عام 2010 «كما أن لكل موسم موضة، فإن لكل انتخابات أيضًا موضة، وأن موضة الانتخابات المقبلة ستكون بلا منازع هى الجلابية.. الجلابية بكل أشكالها». لكن كاتبنا الكبير لم يكن يعلم أن الموضة الانتخابية ستتطور وتتجاوز «الجلابية» إلى المواكب و«الجاردات»، ومع بداية موسم الانتخابات نشهد العجب العجاب؛ بعض الذين أعلنوا عن نيتهم خوض الانتخابات البرلمانية القادمة؛ خاصةً الذين يخوضون تجربة الترشح للانتخابات البرلمانية للمرة الأولى. وعلى وجه التحديد، نتحدث هنا عن المرشحين المستقلين. أصبح المعيار الوحيد المؤهل للترشح بالنسبة لهم هو الملاءة المالية! قبل التأهيل والقدرة السياسية.
أحد هذه النماذج، على سبيل المثال، صرح بأنه لن ينضم إلى أى قائمة انتخابية إلا إذا كان على رأسها!، فهل مولانا، مرشّح «سنة أولى ترشُّح»، لا يعلم أننا نتبع نظام القائمة المطلقة المُغلقة، وليس نظام القائمة النسبية؟ وبالتالى، فإن الترتيب داخل القائمة لا يغيّر شيئًا، المرشح الأول فى القائمة مثل المرشح الأخير. فإذا كان هذا المرشّح لا يميّز بين القائمة المطلقة المغلقة والقائمة النسبية، فكيف يكون الحال مع صياغة القوانين، ومراجعة التشريعات، فضلًا عن كفاءة استخدام الأدوات الرقابية والتفرقة بينها تبعاً للحالة والموضوع؟ مرشّحٌ آخر، فى دعايته الانتخابية لا يُفرّق بين الهاء والتاء المربوطة! فكيف يُفترض به أن يفهم نصوص اللائحة الداخلية للمجلس الذى يسعى لدخوله؟! وما هو مستوى جودة مذكراته النيابية داخل المجلس. هذا غيض من فيض؛ عديد من مرشحى سنة أولى ترشيح يفتقرون لأبسط أبجديات العمل النيابى. فمنهم من لم يقرأ الدستور من الأساس، ولا يعرف الفرق بين السلطة التشريعية والتنفيذية، ومنهم من يرى أن النائب مجرد وسيط خدمات بين الحكومة والمواطن بعيدا عن وظيفته الأساسية كمشرع ومراقب.
ولأن آفة حارتنا الإقصاء، فهؤلاء المرشحون الجدد يمارسون الإقصاء فى أسوأ صوره؛ يريدون احتكار الساحة بالكامل، لا يريدون لغيرهم فرصة المحاولة أو حتى التفكير فى الترشح. وما إن يعلن أى شخص فى نطاق الدائرة الانتخابية نيته خوض الماراثون الانتخابى، حتى تنطلق اللجان الإلكترونية، والذباب الرقمى، فى هجوم شرس، سُباب وتشويه وسخرية، فقط لأنه تجرأ وقرر أن يشارك! وطبعا لأنهم لم يقرؤوا يوما الدستور، لم يسمعوا عن المادة (53) التى تنص على: «المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعى، أو الانتماء السياسى، أو الجغرافى، أو لأى سبب آخر. وأن التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون».
وكذلك نص المادة (87) التى تذهب إلى أن «مشاركة المواطن فى الحياة العامة واجب وطنى، ولكل مواطن حق الانتخاب والترشح وإبداء الرأى فى الاستفتاء، وينظم القانون مباشرة هذه الحقوق،.... إلى آخر نص المادة». أى إن حق الترشح مكفول ومصان للجميع بنص الدستور. ووفق الضوابط والشروط التى أقرها القانون.
ما نراه اليوم لا يؤشر لمنافسة نزيهة، بل حملة سلبية منظمة يقودها بعض المرشحين الجدد – أو من حولهم – لتشويه كل من يشغل مقعدًا حاليًا، أو حتى من يفكر فى الترشح دون تمييز أو إنصاف. وهى مظاهر أتمنى أن تنتبه الهيئة الوطنية للانتخابات لها ووضع الضوابط المشددة لمجابهتها والحد منها لما لها من أثر ضار على المظهر الديمقراطى للعملية الانتخابية برمتها. ويبقى السؤال هل هذه هى النماذج التى نراهن عليها لبناء برلمان جديد؟! لذلك صوتك عزيزى المواطن الناخب أمانة ومسئولية.