الوعى.. السلاح الأقوى فى معركة بناء الدولة ومواجهة التشكيك
فى زمن تتسارع فيه الأخبار وتختلط فيه الحقائق بالأكاذيب، وتصبح فيه الشائعة أكثر انتشارا من الحقيقة، تبرز قضية الوعى كإحدى الركائز الأساسية لبناء الدولة المصرية الحديثة، وكأهم أدوات المواجهة فى معركة من نوع جديد، لا تُخاض بالأسلحة التقليدية، وإنما بالعقول المستنيرة، والإدراك الجمعي، والقدرة على التمييز بين الحق والباطل، بين من يسعى للبناء ومن يخطط للهدم.
الوعي، هنا، ليس ترفا فكريا أو شعارا نظريا يلوح به فى المناسبات، بل قضية أمن قومى بالمعنى الحرفى للكلمة، فالمجتمع الذى يفتقر للقدر الكافى من الوعي، يصبح صيدا سهلا لحملات التشكيك، ومعرضا للاهتزاز أمام كل موجة من الشائعات التى تستهدف زعزعة ثقته فى دولته ومؤسساته، وقد أدركت الدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، هذه الحقيقة مبكرا، فجعلت من تعزيز الوعى الوطنى أولوية قصوى، فلا يكاد يخلو خطاب رئاسى من التأكيد على أهمية «بناء وعى حقيقى لدى المواطنين»، وهو ما تجسد فى إطلاق مبادرة بناء الإنسان ودعم عدد من المشروعات الثقافية والتعليمية والإعلامية، وتكثيف جهود التنوير والتثقيف، وإطلاق الرسائل التوعوية الموجهة، خاصة لفئة الشباب.
فى المقابل، لا يخفى على أحد أن جماعة الإخوان الإرهابية، ومن يقف خلفها من قوى إقليمية ودولية، جعلت من الشائعات سلاحها المفضل فى معركتها ضد مصر، بعد أن فشلت محاولاتها فى إسقاط الدولة عبر الإرهاب المسلح أو زعزعة الاستقرار، إذ اتجهت منذ سنوات إلى استهداف عقول المواطنين، وبث الأكاذيب، والتشكيك فى كل إنجاز، والنيل من الرموز الوطنية، ونشر حالة من السخط والتذمر المجتمعي، على أمل إعادة إنتاج الفوضى من بوابة فقدان الثقة، والمتابع الجيد لطبيعة هذه الحملات يلاحظ أنها تقوم على استراتيجية نفسية دقيقة، تستغل التحديات الاقتصادية التى تمر بها الدولة -كغيرها من دول العالم- لتحويلها إلى دليل زائف على فشل الدولة، متجاهلين فى ذلك السياق العالمى للأزمات، والجهود المبذولة على الأرض لتخفيف آثارها، وتحقيق إنجازات ملموسة فى قطاعات حيوية كالبنية التحتية، والصحة، والتعليم، والطاقة، وتمكين المرأة، والتحول الرقمى.
هنا تحديدا يتجلى دور الوعي، ليس فقط فى رفض الشائعات، ولكن فى طرح الأسئلة الصحيحة، وفهم التحديات، ومراقبة الواقع من خلال معطيات موضوعية، وليس عبر منصات إعلامية مشبوهة تبث السموم من الخارج، ولا تخفى عدائها لمصر ولشعبها، ولعل من أبرز ما يميز الشعب المصري، على مر تاريخه، هو امتلاكه لبوصلة وطنية لا تخطئ، ووعيه الجمعى المتراكم عبر التجارب الصعبة، والذى مكنه دوما من إفشال كل محاولات التشويه والتضليل، والتصدى لمحاولات اختطاف العقل المصري، لكن هذا لا يعنى الركون إلى هذه الثقة، بل يجب أن يُستثمر هذا الوعى الشعبى فى مزيد من البناء والتماسك، ومواصلة مشوار الإصلاح والتقدم، رغم كل التحديات.
إن دعم الدولة لقضية الوعى لا يجب أن يظل مقتصرا على الخطاب الرسمي، بل ينبغى أن يمتد إلى منظومة تعليمية حديثة، وإعلام مهنى حر ومسئول، ومنابر دينية مستنيرة، ومراكز بحثية تقوم بدورها فى كشف الحقائق وتحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية بعمق وشفافية.. وفى نهاية المطاف، لا يمكن لدولة أن تتقدم وسط هذا الكم من التحديات والمؤامرات دون شعب واع، قادر على التمييز، محصن ضد الأكاذيب، مستعد للمشاركة الإيجابية فى معركة الوجود والبقاء والبناء. فالوعى، باختصار، هو خط الدفاع الأول عن الوطن، وهو الحصن الحقيقى الذى نحتمى به فى وجه كل محاولات الهدم والتشويه.