ذكرياتى (٤)
مع القرية والنشأة
مع القرية حيث النشأة ومرابع الصبا، وأصدقاء العمر، والأهل والأحباب، قريتى صفط راشين مركز ببا محافظة بنى سويف، تتداعى الذكريات كنهر لا شاطئ له، بما يوقع المرء فى حيرة من أين يبدأ ومتى وكيف ينتهى، فهى حياة زاخرة ومفعمة كعادة الأيام بالحب والدفء والسرور تارة، والقلق والتوتر (والأحزان أحيانا) تارة أخرى.
وأبدأ من حيث أكثر العوامل تأثيرًا فى نشأتى، كتاب القرية، حيث دفع بى والدى رحمه الله فى سن جد مبكرة قبل أن أحسن نطق كلمتين متتابعتين أو أكثر إلى كُتّاب الشيخ أحمد محمود الذى كان يسكن فى الشارع الذى نسكن فيه المعروف ولا يزال بشارع السوق، ويقع هذا الكُتّاب على الطريق المؤدى لأحد حقولنا الزراعية آنذاك، فقال له الشيخ وقد رأى صغر سنى: يا أبا محمد إن الولد لا يزال صغيرا لا يعى القراءة ولا الكتابة، فقال له والدى رحمه الله: لا ترده هو يحب الكُتّاب ويريد أن يجلس مع الطلاب فاجعله بينهم ولو مستمعا يردد كما يرددون، ونزل الشيخ على رغبة أبى رحمهما الله، ولا أذكر كثيرا من ذكريات هذه المرحلة غير أننى عندما تحولت من هذا الكُتّاب إلى كُتّاب الشيخ حسن محمد حسن رحمه الله بدأ اختبارى فى الهجاءة الصغرى وهى تهجى الحروف مع ضبطها، فأجدتُ تسميع الحروف الهجائية كلها مفتوحة ومكسورة ومضمومة، فى سرعة أذهلت الشيخ رحمه الله، ولكن لحكمة تعليمية رآها هو استوقفنى فى منتصف أدائها مُسَكَّنَةً، وقال: أعطنى اللوح، وبدأ معى فى استكمالها، وفى أيام قليلة أنهيت تعلمها مُسكَّنةُ، ومشددة: مفتوحة ومكسورة ومضمومة ومُسكَّنة، ثم سرعان ما نقلنى من الهجاءة الصغرى (هجاءة الحروف) إلى الهجاءة الكبرى (هجاءة الكلمات)، وما هى إلا أيام يسيرة أمضيتها سريعا فى تعلم الهجاءة الكبرى حتى نقلنى الشيخ رحمه الله إلى حفظ الجزء الثلاثين من القرآن الكريم، وكان والدى رحمه الله يتابعنى فى المنزل فى المراجعة إلى جانب حفظى فى الكتاب، كما كان يتابعنى فى الدروس وبخاصة فى الرياضيات (مادة الحساب آنذاك)، حيث كان رحمه الله معروفا فى القرية والقرى المجاورة ببراعته الشديدة فى العمليات الحسابية وبخاصة حساب قياس الأراضى الزراعية وفصل حدودها بين المتنازعين مهما كانت طبيعتها ودرجات انحراف زواياها أو نتوءاتها أو كون بعض القطعة مثلثا أو مشطورا، وكان يقوم بذلك تطوعا واحتسابا لوجه الله تعالى، ولم يتأخر يوما عن أحد طلبه أو قصده فى ذلك.
وللأمانة لقد حظيت قريتنا بنخبة من الوجهاء ومشايخ البلد وأعيانها كان لهم باع كبير فى الصلح بين المتخاصمين والمجالس العرفية التى كثيرا ما انعقدت فى منزلنا ولا سيما عندما يكون أحد أطراف عائلتنا طرفا فى الخصومة، فضلا عن أن يكون الصلح بين طرفين من أبنائها، وبما أننى كنت الابن الوحيد مع ثلاث من الأخوات البنات فكثيرا ما كان يقع على عاتقى تقديم واجب الضيافة مع أبناء عمومتنا للحاضرين والضيوف سواء من السادة المُحكّمين أو المتنازعين، كما كان والدى يحرص كل الحرص على حضورى هذه المجالس لأفيد منها وأتعلم وأنضج مبكرا.
وأذكر من هؤلاء الأعيان الذين كانوا يقومون بالصلح بين الناس والعمل على حل مشكلاتهم كلا من: المرحوم الحاج أحمد عبدالحكيم، والمرحوم الشيخ سلامة غيتة، والمرحوم الشيخ يحيى عبدالغفار الفزارى، والمرحوم الحاج أحمد عبدالعزيز، والمرحوم الحاج سعداوى تمام، والمرحوم الحاج محمود حسن العرقوبى، فضلا عن استعانة والدى رحمه الله فى حل المشكلات العائلية الخفيفة بعمى المرحوم عبدالسلام حسين، وعمى المرحوم سعيد أحمد على.
وللحديث بقية.
وزير الأوقاف السابق