من مكتبة اقرأ
زعماء دولة التلاوة
ردد القدماء مقولة صارت مثلًا وحكمة وهى «نزل القرآن في الجزيرة العربية (مكة – المدينة المنورة) وطبع فى تركيا (الدولة العثمانية)، وقرئ فى مصر» وظلت هذه المقولة لسنوات طويلة صامدة بثوابتها الثلاثة، إلى أن تغير الثابت الأوسط، بعد أن أصبح القرآن الكريم يطبع وبملايين النسخ فى كل دول العالم الإسلامى، وظل الثابتان الأول والثالث صامدين، ولن يتغيرا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد احتفظت تلاوة القرآن بأصولها الموروثة منذ العصر النبوى، وانتقلبت بالتلقى والتلقين من جيل إلى جيل، وانفردت مصر منذ الفتح الإسلامى، بأنها دار القرآن وموئل قرائه، ونشأ فيها أعظم القراء، وتوالت أجيالهم أربعة عشر قرنًا بلا انقطاع، وقد اهتم الأزهر الشريف بعلم القراءات ومخارج الألفاظ والوقف والابتداء، إضافة إلى علم المقامات الموسيقية، التى كان يشرحها شيوخ أجلاتء، مثل الشيخ إبراهيم المغربى، واستمر تدريس المقامات الموسيقية بالأزهر حتى نهاية القرن التاسع عشر، فى هذا الإطار صدر كتاب» زعماء دولة التلاوة» للكاتب والمؤرخ محمد الشافعى عن «دار سنيورز للنشر والتوزيع». ويقول المؤلف إن أركان وأعمدة دولة التلاوة ترسخت فى مصر، لأن علماءها هم أهل الإسلام بأحكام التلاوة، وكيفية تدريسها وقد أخذ عنهم كل علماء العالم الإسلامى حتى علماء مكة والمدينة المنورة، وقد برز عدد كبير من العلماء المصريين فى هذا المجال، منهم المشايخ محمد أحمد المتولى، وقد برز عدد كبير من العلماء المصريين فى هذا المجال، منهم المشايخ محمد أحمد المتولى، محمد مكى نصر، محمد سعودى إبراهيم، على محمد الضباع، محمد خلف الحسينى، عبدالفتاح القاضى، أحمد عبد العزيز الزيات، إبراهيم سلام، عامر عثمان، الشيخة أم السعد، وبدأ بروز هذه الأسماء مع بداية النصف الأول من القرن التاسع عشر، وفى ظل هذا التميز العلمى وعبقرية المواهب، لم يكن غريبًا أن يكون قارئ الخلافة العثمانية مصريًا وهو الشيخ منصور بدار، الذى سافر إلى تركيا قبل الحرب العلمية الأولى، وكان قريبًا من السلطان عبدالحميد، وبعد سقوط الدولة العثمانية عاد إلى مصر وأصبح قريبًا من سعد زغلول.
وبعض عمالقة القراء يعيشون فى القرآن وبالقرآن مثل الشيخ محمد صديق المنشاوى، الذى عندما يقرأ يشعر السامع وكأن دموع قلبه تنساب فى نبرات صوته، ولم تقتصر عطاءات دولة التلاوة فى مصر على إبداعات تلاوة القرآن الكريم، ولكنها امتدت إلى دولتين إبداعيتين هما دولة الإنشاد ودولة الغناء، حيث عمل التجويد على إبراز الملكات الفنية، لدى مجموعة من المشايخ فأسسوا وشيدوا دولة الابتهالات والإنشاد وهم المشايخ على محمود وطه الفشنى وكامل يوسف البهتيمى، وسيد النقشبندى، ونصر الدين طوبار، ومحمد عمران، كما عملت دولة التلاوة على إحداث النهضة الغنائية المصرية فى العصر الحديث من خلال ألحان وأصوات المشايخ ومن سار على دربهم مثلب سيد درويش، زكريا أحمد، ومحمد القصبجى، ومحمد عبدالوهاب، وأم كلثوم. وبعد قيام ثورة يوليو 1952، عملت على دعم كل روافد القوة الناعمة، وكانت دولة التلاوة فى مقدمة تلك الروافد، حيث انطلق عمالقة التلاوة المصريون إلى كل بلاد العالم الإسلامى، وإلى كل بلدان العالم، سفراء للقرآن الكريم، وسفراء للإبداع المصرى، وأنشئت إذاعة القرآن الكريم.
ويضيف «الشافعى» قائلا: فى النهاية يجب على كل مؤسسات الدولة المصرية وحاصة المسئولة عن روافد القوة الناعمة أن تسعى وبقوة إلى الحفاظ على دولة التلاوة المصرية، تلك الدولة التى لها بصمات من الإبداع فى كل دول العالم تقريبًا، والتى يمكن أن نصل من خلالها بالإبداع المصرى إلى كل بقاع الدنيا، تلك المدرسة الإبداعية المصرية الخالصة، التى جسدت كلام أمير الشعراء أحمد شوقى فى همزيته الرائعة: والوحى يقطر سلسلا من سلسل... واللوح والقلم البديع رواء.