بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أزمة «منال جرجس» تفجر لغم «قضايا الأحوال الشخصية»

بوابة الوفد الإلكترونية

المطرانية تتكفل بأسرتها.. ونشطاء يطالبون بإنهاء معاناة الأسرة المسيحية
مطالب واسعة بسرعة إقرار القانون الموحد.. وإسحاق إبراهيم: مجلس النواب مُطالَب بالاستماع للمسيحيين المتضررين قبل إقراره
«ديسقورس»: ضحية بنى سويف لم تطلب الطلاق.. والكنيسة ليست ملزمة بإصدار بيان عن الحادث.. وسنطعن بعدم الدستورية إذا خالف نصوص وثيقة «المجمع المقدس»

 

لم يتوقع أحد أن تتحول واقعة مقتل «منال» -سيدة بنى سويف- إلى مظلة ترزح تحتها مطالبات متصاعدة بضرورة إقرار قانون الأحوال الشخصية الموحد للطوائف المسيحية، رغم أن الحادث فردى، والسيدة ذاتها -حسب رواية بناتها فى مقطع فيديو متداول منذ يومين- لم تطلب الطلاق.
وتعرضت «منال نجيب جرجس» للاعتداء من قبل زوجها فى أعقاب مطالبتها بالانفصال، مما تسبب فى إصابتها بجروح تخطت 80 غرزة فى الرأس، والوجه، بقيت على إثرها بالعناية المركزة بأحد المستشفيات.
وتفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعى مع الواقعة، تزامناً مع إطلاق بناتها هاشتاج «حق ماما منال»، وعلت أصوات تطالب بتحرك كنسى إزاء الواقعة، والتدخل لوقف تيار «العنف الزوجى» داخل الأسرة المسيحية، والإسراع فى إقرار قانون الأحوال الشخصية، والذى ربما يكون منحة للوسط القبطى فى أعقاب محنة «منال».
وسردت «مريم» الابنة الكبرى لـ«ضحية العنف الزوجى» منال جرجس، جانباً من تفاصيل العلاقة المتوترة بين الأم والأب داخل الأسرة، لافتة إلى أن والدتها أقامت لفترات طويلة بمنزل جدها، على خلفية سفر الزوج.
وبرغم ذلك، لم يكن ثمة نفقة كافية على الأبناء، واضطرت الأم لتدبير أمرها، والصمت مقابل الحفاظ على أسرتها، لكن الأمور تطورت للأسوأ بعد ذلك، وكانت النتيجة النهائية هى تحطيم رأس «منال»، وفقدها للبصر على خلفية اعتداء قاسٍ من الأب، إزاء رغبتها فى الانفصال.
ورفض «دياكون ديسقورس» الإشارة إلى الحادث بوصفه ظاهرة ذات صبغة طائفية، لافتاً إلى أنها واقعة فردية، وتحدث بشكل يومى فى مناحٍ متفرقة من البلاد.
ولم تصدر الكنيسة الأرثوذكسية أية بيانات بشأن الحادث الذى لا يزال حديث وسائل التواصل الاجتماعى، رغم أن وفداً كنسياً من مطرانية بنى سويف زار منزل «الأسرة»، والتقى بناتها للمواساة، والدعم النفسى.
وتصدر الزيارة القمص اسطفانوس سليمان، سكرتير الأنبا غبريال، أسقف بنى سويف، والقمص يؤانس مسيحة، راعى كنيسة مارجرجس بمدينة ناصر، بجانب النائب نادر يوسف نسيم، وكيل اللجنة الدينية بمجلس الشيوخ.
وتضمنت الزيارة بجانب عبارات المواساة، وعوداً بتوفير فرصة عمل للابنة الكبرى «مارينا» بمجمع المعاهد العليا، عطفاً على منح دراسية جامعية كاملة للابنة «مريم» بكلية العلاج الطبيعى لمدة 4 سنوات.
ورغم تأكيد القمص يؤانس مسيحة أن الأبناء سيحظون برعاية كاملة من كنيسة مارجرجس، وفق توجيهات الأنبا غبريال إلا أنه ثمة دعم نفسى حتى عبور المحنة.
بالتوازى مع ذلك، انتهى اللقاء إلى وقف الاتصال بالصحف، والقنوات، حفاظاً على وضعية الأسرة.
ومع هذا رأى «ديسقورس» أن الكنيسة ليست معنية بإصدار أى بيانات رسمية فى شأن فردى، مجتمعى، نافياً ربط الحادث بقضايا الأحوال الشخصية، نظير أن السيدة لم تطلب طلاقاً من الكنيسة.
ورغم أن الواقعة لاقت رواجاً كبيراً، ونكأت جراح العالقين من منكوبى الأحوال الشخصية، عبر تدوينات تفصيلية عن معاناة العديد من الأسر المسيحية، إلا أن الباحث إسحاق إبراهيم يرى أن الدولة بوسعها أن تفتح الآن ملف العنف الزوجى، وتطلق مزيداً من المبادرات للتوعية.
وأردف قائلاً: «هذه الواقعة لا يمكن النظر إليها من جانب كنسى، وفقط، لأنها حمالة أوجه كثيرة».
وبمحاذاة ما تناقلته صفحات متضررى الأحوال الشخصية عبر موقع التواصل الاجتماعى -فيس بوك- تحت هاشتاج «حق منال»، يشير «إبراهيم» إلى أن الجريمة جنائية بالمقام الأول، فهذا زوج مستهتر، ومضطرب، وبالتالى لا بد من سن تشريعات مدنية لحماية النساء.
أما على الصعيد الكنسى، فإن الواقعة تفتح ملف المسكوت عنه فى المجلس الإكليريكى من الراغبين فى الحصول على حق الطلاق، وتصاريح الزواج الثانى، وهو ما يلفت إلى أن الكنيسة لا ينبغى أن يظل دورها قاصراً على إقامة القداسات، وفقط، وإنما عليها النظر بجدية فى ملف الأحوال الشخصية، وتيسير أمور الناس، لأن هذه ليست الحادثة الأولى، على حد قوله.
ويسعى العديد من الأقباط منذ سنوات لإقرار قانون مدنى يتيح الزواج، والطلاق، ويبقى محل اعتراف، نظير طبيعة المجتمع الشرقى، والتى لا تسمح بممارسة الجنس إلا داخل حيز شرعى، بما يعنى حسب رؤية «إسحاق إبراهيم» بأن قضية «منال» تفتح الباب على اتجاهين متوازيين «الكنيسة، والدولة»، لكن الدولة تتحمل العبء الأكبر.
ويلتقى الباحث القبطى مع أطروحات، وتحليلات تزامنت مع «رواج» واقعة مقتل «منال جرجس» على وسائل التواصل الاجتماعى، راوحت فى نتائجها بين ضرورة إقرار قانون الأحوال الشخصية بشكل سريع، على أن ينظم فى بنوده الواضحة مسارات دينية لدى الأقباط، واجتماعية فى الوقت ذاته.
ومن ذات الاتجاه يرى «دياكون ديسقورس» أن نبرة الأقباط العالية فى المطالبة بإقرار القانون الموحد للأحوال الشخصية على خلفية واقعة «منال جرجس» تعد منحى إيجابياً فى الأزمة، لافتاً إلى أن القانون يجب أن يقر متسقاً مع وثيقة المجمع المقدس الصادرة عام 2016، وإلا سيكون عرضة للطعن بعدم دستوريته.
ونفى «ديسقورس» التعريض بـ«عودة لائحة» للأحوال الشخصية فى الفترة الحالية، لحين صدور القانون، مشيراً إلى أن هذه اللائحة التى أقرها المجلس الملى إبان فترة البابا مكاريوس الثانى، لم تعمل بها الكنيسة إطلاقاً، وتسببت فور إقرارها من المجلس الملى آنذاك، فى استقالة «حبيب جرجس».
واستطرد قائلاً: «بعض المعارضين للبابا شنودة الثالث يقولون إنه أوقف العمل بها، فى حين أنه عدل بعض بنودها للحصول على موافقة وزارة العدل بالعمل بها داخل الكنيسة، مستنكراً الهجوم على البطريرك الراحل واتهامه بتبنى عبارة (لا طلاق إلا لعلة الزنا) على هوى شخصى».
وخلال جلسة مع ممثلى الطوائف المسيحية بلجنة إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية، قال وزير العدل «عدنان فنجرى»: إن مشروع القانون راعى التوافق التام بين الطوائف المسيحية فى مصر، مع عدم المساس بالمسائل العقائدية للطوائف المعنية بالقانون.
وعقب اللقاء الأول مع ممثلى الكنيسة الأرثوذكسية قال المستشار منصف سليمان، عضو مجلس النواب عضو اللجنة القانونية لصياغة مشروع قانون الأحوال الشخصية: إن الحوار استمر ما يقرب من 6 ساعات بمقر وزارة العدل، وسط حالة من التفاؤل بين الجميع.
وسبق أن أعدت الكنيسة مشروع قانون عام 2014 لكن وزارة العدل طلبت عدة تعديلات على المسودة النهائية، بعد أن تضمن المشروع وفق رؤية قانونية عدة مخالفات.
وكانت الكنيسة الأرثوذكسية تقضى فى الأحوال الشخصية للأقباط بلائحة «1938» حتى عام 2008، وتتضمن اللائحة التى أقرها المجلس الملى بالكنيسة الأرثوذكسية، عدم إتمام الزواج داخل الكنيسة الأرثوذكسية إلا لزوجين أرثوذكسيين.
كما أن الزواج ينحل بأحد أمرين وفق المادة «49» المعدلة عام 2008 من قبل البابا شنودة، وهما «موت أحد الزوجين حقيقة، أو حكماً»، أو التطليق.
وتضمنت اللائحة قبل تعديلها عام 2008 أكثر من سبب للطلاق من بينها «الهجر، أو رهبنة أحد الزوجين، أو الإخلال بالواجبات الزوجية، أو اعتداء أحد الزوجين على الآخر»، قبل أن يقصرها البابا شنودة على «علة الزنا».
ويتضمن المشروع الجديد -حسب تصريحات المستشار منصف سليمان- 11 سبباً تؤدى إلى بطلان الزواج من بينها «الغش» بما يعنى أى غش حتى وإن كان تزويراً للمؤهل.
يأتى ذلك فى الوقت الذى يقر فيه مشروع القانون بطلان الزواج فى حالة عدم الرضا، وعدم بلوغ أحد الزوجين السن القانونية، وقيام مانع لدى الزوجين فى موانع الزواج، وزواج المرتبط بزيجة أخرى، وزواج القاتل عمداً، أو شريكه بغرض تسهيل الزواج، وانتماء أحد الزوجين لدين أو مذهب آخر لا تعترف به الكنائس، وقيام مانع العلة النفسية لأحد الزوجين، وإخفاء معلومات أساسية، وموت أحد الزوجين حقيقة، أو حكماً.
وحسبما أفاد ممثل الكنيسة الأرثوذكسية بلجنة صياغة قانون الأحوال الشخصية، فإن طلب الطلاق متاح فى الحالات التالية: زنا أحد الزوجين، ترك أحد الزوجين للدين المسيحى، أو طائفة لا يسرى عليها أحكام هذا القانون، مثل طائفة «المرمون»، إلى جانب «الشذوذ الجنسى»، وقيام أحد الزوجين بمعاشرة الآخر بغير الطريقة الطبيعية للمعاشرة الزوجية.
وأوضح أن الطوائف «الأرثوذكس، السريان، الأرمن، والروم الأرثوذكس» تعتبر أن من الزنا هروب الزوجة مع رجل آخر ليس من محارمها، أو المبيت معه، أو هروب الزوج مع امرأة ليست من محارمه، وإذا حملت الزوجة فى فترة غياب زوجها ما لم يثبت بالطرق العلمية أن الحمل منه.
أما بالنسبة للكنيسة الإنجيلية فإن طلب التطليق قبل المخالطة الجسدية بناءً على أن الزواج لم يكتمل - على حد قوله.
كانت نسخة الإعداد الأولى عام 1977، وشارك المستشار منصف سليمان فى مراجعتها بناء على تكليف من البابا شنودة، وأعيدت صياغة هذا المشروع مرة أخرى عام 1988، ووافقت وزارة العدل عليه من حيث المبدأ.
«سليمان» الذى عمل على إعداد المسودة النهائية لمشروع القانون أشار إلى أن الزوجة لها الحق فى طلب التطليق طبقاً لخصوصية كنيسة الأرمن الأرثوذكس فى الحالات التالية: «ثبوت خيانة الزوج أثناء المعاشرة الزوجية بغير الطريقة الطبيعية، وسوء أخلاق الزوج خصوصاً إذا دفع زوجته لممارسة الرذيلة، وقيام مانع «العنة» لدى الزوج، واستمراره لمدة 3 أشهر».
وفيما يخص الانحلال المدنى للزواج قال «سليمان»: إنه لا بد من فحص الحالة، والتعرف على سبب الطلاق داخل الكنيسة، لكن القانون وفق مواده النهائية يقضى بضرورة ثبوت افتراق الزوجين لمدة 3 سنوات متصلة مع استحالة استمرار الحياة الزوجية، وفى جميع الأحوال يترتب على الانحلال المدنى نفس آثار الطلاق، غير أنه لا بد أن يصدر قرار الزواج الثانى من البابا.
وأعرب الباحث إسحاق إبراهيم، مسئول ملف حرية الدين والمعتقد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، عن أن يضمن مجلس النواب مناقشات القانون جلسات استماع للحالات المسيحية المتضررة، والكهنة، والأساقفة المتصلين اتصالاً مباشراً بقضايا المتضررين.
فيما توقع المستشار منصف سليمان، عضو مجلس النواب ووكيل اللجنة الدينية، عدم الرضا التام عن القانون، لافتاً إلى أنه سيتعرض لحملة تشكيك، ولكن ذلك لا يمنع حرص اللجنة على طرح قانون يساير الزمن، منعاً لتحطم مصالح العائلات.
وأردف قائلاً: «مشاكل الأحوال الشخصية لا تخطر لأحد على بال، ولا يوجد قانون فى العالم يستطيع حل مشاكل الأحوال الشخصية، لأن كل فرد له خصوصياته».