سموم تُعكر «ساعة الروقان»
اللعب فى مزاج المصريين!
صناعة الشاى من برادة الحديد ونشارة الخشب.. والبن من الفاصوليا المطحونة
استخدام مواد كيميائية خطيرة فى تحضير النسكافيه والقهوة
عصابات منظمة وراء الأزمة
سوق المغشوش فى قبضة معدومى الضمير
على أحد مقاهى حى الدقى بوسط القاهرة، جلسنا لنحتسى كوب الشاى، ما إن وضع القهوجى طلبنا حتى وجدنا بعض «الشوائب» أسفل قاع الكوب، لم نصدق أعيننا حينما تيقنا أنها نشارة خشب، استدعينا القهوجى للتأكد من الواقعة.
«ده شاى نضيف يا أستاذ».. هكذا كان رد القهوجى، على سؤالنا: لماذا وجدنا نشارة الخشب فى كوب الشاى ومن أين أتى به؟، يؤكد القهوجى أنه لا يشترى سوى الماركات المعروفة، ومن هنا كانت بداية خيط القضية وكشفنا العديد من الكوارث.
رحلة البحث
بدأنا البحث على صفحات «السوشيال ميديا»، عما إذا كان أحد تحدث عن القضية، ووجدنا العديد من المنشورات الخاصة بشكاوى من تغير طعم الشاى والقهوة والنسكافيه، وادعى الكثير من النشطاء بعض السيناريوهات التى تتطلب التحقق منها مثل استخدام الفحم وبرادة الحديد ونشارة الخشب فى تحضير الشاى المغشوش، واستخدام بعض المواد الكيميائية الخطيرة فى تحضير النسكافيه والقهوة.
أطنان الشاى المضروب
وجدنا العديد من وقائع ضبط أطنان من الشاى المضروب فى الأسواق، حيث تمكنت تحريات مباحث تموين الغربية من التوصل إلى أن وراء توزيع المنتج المغشوش شخصا يدعى «محمد إ. ع»، 35 سنة، مقيم عزبة السبيل التابعة لمركز طنطا، وأنه يتوخى الحرص فى تعاملاته، حيث يوصل منتجاته إلى المتعاملين معه فى سرية تامة.
كواليس ما تم ضبطه كان الأخطر، حيث أفادت التحريات أنه يقلد ماركة تجارية معروفة للشاى، وزن 250 جراما، وبفحص محتويات العبوات باستخدام مغناطيس، تبين أنها تحتوى على كميات كبيرة من برادة الحديد.
حملات التموين
شنت مديرية التموين بدمياط، حملة تموينية على مركز كفر سعد حيث ورودت معلومات بوجود مصنع غير مرخص لتعبئة الشاى فى عبوات تخص شركات تحمل علامات تجارية معروفة، وتم ضبط كميات من الشاى السايب والمعبأ تقدر بحوالى 2.5 طن تتم تعبئتها داخل عبوات تخص علامات وشركات تجارية معتمدة، وتحرر المحضر اللازم برقم ١٣٩٨١ جنح كفر سعد.
ومع مرور الوقت وانتشار علامات تجارية كثيرة لمنتج «الشاى» داخل السوق تسللت عصابات وتمركزت فى محافظات مصر واتخذت من أوكارها وسيلة لتعكير مزاج المصريين بالشاى المغشوش المصنوع من التراب وغيرها من المواد الغريبة، وهو ما أوضحه مقطع فيديو تداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعى كشف ضبط مصنعين غير مرخصين يقلدان العلامة التجارية لمنتجات الشاى والنسكافيه والبيكنج بودر.
جولة ميدانية
جولة ميدانية أجريناها على عدد من المحلات فى الدقى وبعض المناطق الشعبية فى فيصل وأرض اللواء وبولاق الدكرور، لنتأكد من وجود الشاى المغشوش فى المحلات، وكانت المفاجأة، انتشار واسع للمنتجات المضروبة دون وعى وفى غياب تام من الرقابة.
والسؤال هنا: كيف لمعدومى الضمير أن يستطيعوا توزيع مثل هذه المنتجات بهذا الانتشار الواسع؟، خاصة فى ظل تصريحات وزارة التموين الدائمة بإحكام قبضتها على الأسواق والمراقبة المستمرة للمنتجات؟، حملات الجهات التنفيذية التى أجريت فى العديد من المناطق لضبط الشاى المغشوش كشفت بعض الأدوات المستخدمة لتزوير العلامات التجارية وكان منها كراتين فارغة مطبوع عليها علامات تجارية لماركات معروفة، وماكينة فاكيوم (لتفريغ الهواء) واللحام، واسطمبة ضغط للأكياس بعد التعبئة، وميزان ديجيتال، ومكواة كهربائية، وأختام مُستخدمة فى طباعة تاريخ الإنتاج والصلاحية على العبوات والتى تمسح بمجرد الضغط عليها وملامستها بالمياه.
البن المغشوش
الأمر لم يتوقف على الشاى فقط، بل انتشرت خلال الفترة الأخيرة ظاهرة غش البن من قبل مُصنعيه، نتيجة ارتفاع سعره فى مصر مقارنة بالعام الماضى، وهو ما تسبب فى تغير مذاقه ولونه وكثافة الوش، نتيجة وجود بعض الإضافات على البن منها «البازلاء والقمح ونواة البلح وبيكربونات الصوديوم».
الأمر تؤكده نتائج حملات الأجهزة الرقابية التى أسفرت عن ضبط كميات كبيرة متداولة من البن المغشوش تباع فى الأسواق وهو ما يعرض صحة المواطنين للخطر والإصابة بأمراض عديدة، خاصة أنها تحتوى على مواد ضارة، مثل البكتيريا أو الفطريات أو السموم، والتى تصيب ضحاياها بأعراض حساسية تجاه مكونات القهوة غير الأصلية، مثل الجلسرين أو السكر، كما تسبب مشاكل فى الجهاز الهضمى مثل الإسهال أو الإمساك.
الفاصوليا الرخيصة
وفى ظل ارتفاع أسعار البن عالمياً، بدأ بعض التجار فى اللجوء إلى أساليب غير مشروعة لتقليل التكلفة وزيادة الأرباح، من خلال تصنيع «بن مغشوش» باستخدام أنواع من الفاصوليا الرخيصة بديلاً عن حبوب البن الأصلية.
تعتمد الحيلة على تحميص أنواع رخيصة من البقوليات مثل الفاصوليا البيضاء أو الحمراء حتى تكتسب لوناً بنياً داكناً يشبه لون البن المحمص. أحياناً تُضاف مواد كيميائية أو مكسبات طعم وروائح لإيهام المستهلك بأنها قهوة طبيعية، وبعد التحميص، تُطحن هذه الفاصوليا تماماً كالبن الأصلى، وأحياناً يُخلط جزء صغير من البن الحقيقى مع كميات أكبر من المكونات البديلة، ليصعب على المستهلك اكتشاف الفرق من الرائحة أو المذاق، خاصة بعد إضافة السكر أو الحليب.
قانون الغش
قالت نهى الجندى، الخبيرة القانونية، إنّ القرار بقانون رقم 213 لسنة 1960 فى شأن تنظيم تعبئة وتجارة الشاى المعمول به من تاريخ نشره فى 17 يوليو سنة 1960 قد نص فى مادته الأولى على أنه: «لا يجوز إعطاء تراخيص بفتح مصانع لتعبئة الشاى سواء كانت آلية أو يدوية إلا للشركات التابعة للمؤسسة الاقتصادية التى يدخل فى نشاطها تعبئة الشاى وتجارته أو للجمعيات التعاونية التى يختارها وزير التموين ويكون من أغراضها مباشرة النشاط المذكور، وتلغى بحكم القانون جميع التراخيص الصادرة على خلاف أحكام الفقرة السابقة، ثم صدور قرار وزير التموين رقم 252 لسنة 1962 فى شأن تنظيم وتعبئة وتجارة الشاى والبن المعمول به من تاريخ نشره بتاريخ 7 يوليو سنة 1960.
قانون للشاى
أضافت الخبيرة القانونية فى تصريحات خاصة، أنّ نص فى المادة الخامسة منه على أنه لا يجوز بيع الشاى الأسود أو حيازته بقصد البيع إلا إذا كان معبأ فى عبوات، ويجب أن يبين على كل عبوة باللغة العربية وبشكل واضح «اسم المستورد والمعبئ، ونوع الشاى والجهة المستورد منها وسعر البيع المستهلك والوزن الصافى»، كما نص فى المادة السادسة على أنه: «يحظر بقصد الاتجار خلط الشاى الأسود بأنواعه المختلفة بشاى أخضر أو بأية مادة أخرى أو الشروع فى ذلك»، ثم فرض القرار فى المادة التاسعة العقوبة على مخالفة أحكامه.
ثغرة فى القانون
ثغرة فى قانون «الغش التجارى» نوهت إليها نهى الجندى، حينما قالت إنّ أقصى العقوبات على فساد منتج غذائى أو أى منتج يتناوله الإنسان وبيعه منتهى الصلاحية أو مغشوش تصل حسب القانون للغرامة والحبس، إلا أن هناك ثغرة قانونية تتمثل دائما فى الحكم بالغرامة وإلغاء الحبس ما يتيح للتجار الاستمرار فى الاتجار بصحة المواطنين وعافيتهم باعتبار الجريمة جنحة وليست جناية.
لا تصل إلى المحكمة
وأشارت إلى أنّ هناك العديد من هذه الوقائع الخاصة بالاتجار فى الأغذية الفاسدة أو غيرها لا تصل بشكل أو بآخر إلى المحكمة لأن التاجر مقترف الجريمة قد اقترف العديد من الجرائم المماثلة بالاتجار فى الأغذية لتطبيق «ظرف العود» عليه.
واختتمت: «حتى يستطيع القاضى عند تقديره للعقوبة أن يُطبق أقصى العقوبات المقررة قانوناً، كما أن هناك خللا تشريعيا لذلك الشأن حيث إنه يجب أن تكون العقوبة الحبس مع النفاذ، كما أن تلك الجريمة لا تقل فى أهميتها عن جريمة السرقة والسلاح الأبيض، وأن القانون المصرى الحالى يقلل من تغليظ العقوبة من خطورة تلك الجريمة حيث يتعين إدراجها ضمن الجنايات وليس الجنح».
كوارث صحية
قالت الدكتورة أمل السفطى، مدير مركز السموم الأسبق، إنّ رغم بساطة كوب الشاى وارتباطه اليومى بحياة ملايين الناس، إلا أن هذا المشروب الشعبى لم يسلم من الغش التجارى. فى بعض الأسواق، يلجأ ضعاف النفوس إلى خلط الشاى بمواد غريبة مثل برادة الحديد ونشارة الخشب بهدف زيادة الوزن أو تحسين اللون، دون أى اعتبار لما قد تسببه هذه المواد من كوارث صحية.
سموم
وأضافت مدير مركز السموم، أنّ برادة الحديد سمّ يذوب مع الغليان، موضحة أن إضافة برادة الحديد إلى الشاى لا تقتصر على التلاعب بالمظهر، بل تتحول إلى خطر حقيقى عند غلى الماء. مع ارتفاع درجة الحرارة، تبدأ جزيئات الحديد فى التحلل أو الذوبان الجزئى، مما يؤدى إلى دخول كميات صغيرة من المعدن إلى الجسم. هذه الجزيئات، تتسبب فى تهيّج المعدة والجهاز الهضمى، كما تتراكم فى الكبد والكلى وتسبب مشاكل مزمنة فى وظائف الأعضاء.
واستكملت السفطى، حديثها: رغم أنها لا تذوب فى الماء، إلا أن نشارة الخشب المطحونة بدقة قد تُخلط مع الشاى لإعطاء قوام شكلى يوحى بأنه طبيعى. وجودها فى كوب الشاى المغلى لا يؤثر فقط على المذاق، بل يحمل مخاطر صحية، منها انسداد فى الأمعاء الدقيقة أو تهيج فى القولون، وإدخال مواد كيميائية إلى الجسم فى حال كانت الأخشاب معالجة بمواد سامة، والتقليل من الفائدة الصحية للشاى نفسه، إذ تمتص النشارة بعض مضادات الأكسدة الطبيعية فيه.
أعراض قد تظهر لاحقاً حسب ما قالته مدير مركز السموم الأسبق، قالت إن شرب الشاى المغشوش ببرادة الحديد أو نشارة الخشب لا يؤدى إلى تسمم مباشر فى معظم الأحيان، لكن الضرر تراكمى. بمرور الوقت، قد يعانى الشخص من آلام مستمرة فى البطن، واضطرابات فى الجهاز الهضمى، وضعف فى المناعة والشعور بالإرهاق العام، وعلامات غامضة لفقر الدم أو التهابات مزمنة.
كيف تكتشف الغش وتحمى نفسك؟
راقب لون الشاى: الشاى الطبيعى يعطى لوناً بنياً مائلاً للاحمرار، وليس أسود فاحماً فى ثوانٍ.
انتبه للطعم: المذاق المعدنى أو الخشبى قد يكون دليلاً على الغش.
افحص بقايا الكوب: ترسبات ثقيلة أو لامعة فى قاع الفنجان قد تشير إلى وجود برادة حديد.
اشترِ من مصادر موثوقة، وتجنب المنتجات السائبة أو غير المعروفة.
