بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

غزة.. الهروب من الموت إلى «الموت»

بوابة الوفد الإلكترونية

طبيبة أطفال تستقبل جثامين أبنائها التسعة «متفحمين»
«رغيف الدم» صراع البقاء.. بين سندان الاحتلال ومطرقة اللصوص

 

لا جديد فى صباحات غزة إلا المزيد من الفقدان والوداع والأوجاع والآلام هنا الجحيم بعينه الكل هارب من الموت إلى الموت.
يتداخل عويل النساء وصراخ الأطفال مع صافرات الإسعاف، بالتكبيرات، يرتطم بالنقالات فى ممرات مجمع ناصر الطبى المكتظ بالضحايا بعضهم حى، بعضهم شبه حى، والبعض الآخر مغطى بأغطية زرقاء.
.. الإرهاب الصهيونى بدعم الغرب الأعمى لا يعرف حرمة ولا رحمة لا يفرق بين براءة طفل، أو قدسية مستشفى، أو حصانة بيت إنه يمحو الحياة بلا تمييز، ويسفك الدماء بلا وازع.
بوابة الطوارئ تفتح بعنف. يصرخ المسعف: «أطفال… تسعة أطفال… جايين أشلاء…»
تسع مخاضات لتسع ولادات وتسع شهقات تستقبل رئاتها الحياة التى كان من المفروض أن تنبت فرحا ووردا ومستقبلًا مزهرًا، بترتها يد الإرهاب والحقد الأسود فى لحظة، وكأن كل ما كان من طفولة وجمال وأحلام لم يكن موجودا يوما هنا.
تسع فضاءات ضجت فلونت السماء بالفرح وأشرقت بالأمل ذات صباح -غير الصباح الذى يمر رمنذ أكثر من عام ونصف على غزة- بأصوات الملائكة الصغار.
«آلاء النجار» أخصائية أطفال فى مستشفى التحرير بمجمع ناصر الطبى، لديها عشرة أبناء، أكبرهم لم يتجاوز 12 عامًا خرجت مع زوجها الدكتور حمدى النجار ليوصلها إلى عملها وبعد دقائق فقط من عودته، سقط صاروخ على منزلهم.
آلاء تصرخ فتشطر الهواء «لااااا».. تصطدم بالجدار تقع على الأرض ينفجر الدم من أنفها تحاول الزحف إلى النقالة، يمنعونها هاتوا يحيى… هاتوا ركان، طب رسلان، اعطونى جبران وين إيف؟! وين ريفان، وين سيدين ؟؟؟!!»
تنظر إلى قطعة لحم متفحمة كانت يومًا صدر طفل. استشهد «يحيى، ركان، رسلان، جبران، إيف، ريفان، سيدين، لقمان، وسيدرا». وأصيب «آدم»، وهو الطفل الوحيد المتبقى، وزوجها يرقد فى العناية المركزة.
‏.. خلال إنقاذها لضحايا القصف تستقبل فلذات أكبادها هذا ما يعيشه الكوادر الطبية فى قطاع غزة؛ الكلمات لا تكفى لوصف الألم.
كانت تداوم لتسعف الناس وتضمد جراح الآخرين ولم تكن تعلم أن أصعب لحظة فى حياتها لن تكون داخل غرفة العمليات كما كان عملها بل حين كانت اليوم موجودة فى قسم الطوارئ واستقبلت أبناءها شهداء. وكأن الأرواح فى غزة أقل وزنًا من أى شئ اخر وصارت خبرا عابرا فى نشرات الأخبار.
فى غزة، لا يُستهدف الكادر الطبى والصحفى الإعلامى فقط بل يمعن الاحتلال فى الإجرام، ويستهدف عائلات بأكملها.
وقال المدير العام لوزارة الصحة، الدكتور منير البرش: هذا ما تعيشه كوادرنا الطبية.. الكلمات لا تكفى لوصف الألم فى غزة»، وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية فى القطاع أن عدد الشهداء الأطفال بلغ حتى الآن 16 ألفًا و503، فى حصيلة صادمة تعكس حجم الاستهداف المباشر للأطفال،
ويتخذ الاحتلال خطوات عملية على الأرض لتهجير مئات الآلاف من أهالى شمال القطاع نحو جنوبه، مستخدما المساعدات وملف الغذاء كسلاح جديد فى حرب الإبادة الجماعية المتواصلة.
ويبدأ الاحتلال اليوم توزيع الغذاء فى قطاع غزة عبر شركات أمريكية، وذلك رغم رفض أممى للخطة الإسرائيلية الأمريكية لشكوك فى أهدافها. وخصصت تل أبيب مراكز معينة تخضع لسيطرته وفى نطاق عملياته، وتقع جميعها فى مناطق الجنوب وذلك لتوزيع المساعدات التى ما زال يمنع دخولها، بالتزامن مع إجراء ترتيبات مع شركات أمريكية من خلفيات عسكرية، لتولى عمليات التوزيع المتوقعة.
وتعرضت شاحنات المساعدات القليلة لعمليات سطو مسلح فى غرب رفح وجنوب خان يونس، ومدخل دير البلح، مما يسلط الضوء على غياب الرقابة وعدم فاعلية هذه الآليات فى ظل المجاعة التى تهدد آلاف الضحايا.
وأعربت مصادر فلسطينينة عن مخاوفها من الخطة الأمريكية التى يجرى الترويج لها بشأن إقامة معسكرات لتوزيع المساعدات فى مناطق مثل مراج ونتساريم، ووصفتها بانها محاولة لفرض تهجير قسرى لأهالى شمال القطاع عبر ممر إجبارى، وقد تتحول هذه المعسكرات إلى مراكز اعتقال مقنّعة، فى ظل انعدام الثقة بالاحتلال
وشدد «فيليب لازاريني»، المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، أن مشاهد نهب المساعدات لا ينبغى أن تكون مفاجئة أو صادمة، مشيرا إلى معاناة القطاع من الجوع لأكثر من 11 أسبوعا.
وأكد أن أقل ما تحتاجه غزة هو 500-600 شاحنة يوميا يتم إدارتها من خلال الأمم المتحدة بما فى ذلك الأونروا، مستشهدا بفترة وقف إطلاق النار السابقة، وتمكن الوكالة من إدخال ما معدله 500 إلى 600 شاحنة يوميا دون تحويل مسارها أو نهبها.
وقال عبر حسابه بمنصة «إكس» «لا ينبغى لأحد أن يتفاجأ أو يصدم لقد عانى شعب غزة من الجوع والحرمان من الأساسيات بما فى ذلك المياه والأدوية نفد الطعام الذى كان لدى الأمهات والآباء لأطفالهم، وتوفى كبار السن بسبب نقص الأدوية».
ووصف المساعدات التى تصل حاليا بأنها بمثابة إبرة فى كومة قش، مشددا أن التدفق المستمر والمستمر للمساعدات هو السبيل الوحيد لمنع تفاقم الكارثة الحالية. وناشد المجتمع الدولى، قائلا إن انقاذ الأرواح يجب أن يتقدم على الأجندات العسكرية والسياسية، لا يستطيع شعب غزة الانتظار لفترة أطول.