بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية

«ميرلوبونتي».. أول من طبق المنهج الفينومينولوجي



عُرِفَ ميرلوبونتي في الفكر الفلسفي بأنه أول من طبق المنهج الفينومينولوجي. لكي نفهم الروح العامة لفلسفة ميرلوبونتي، علينا في البدء الوقوف على نظرته إلى الفلسفة. وهنا نجد أن صميم الروح الفلسفية في نظر ميرلوبونتي إنما هو تلك الحركة المستمرة التي تقود الفيلسوف من المعرفة إلى الجهل، ثم من الجهل إلى المعرفة، مع ما يقترن بهذه الحركة من ثبات في صميم استمرارها الحركي. وسنقدم خلال كبسولتنا هذه موجزًا لجهود هذا الفيلسوف لنكتشف روحه العلمية التي امتازت بالدقة والتنظيم.
عزيزي القارئ، وُلِدَ موريس ميرلوبونتي عام 1908م في روشفور، وتلقى تعليمه في إحدى المدارس الثانوية بباريس حيث أظهر نبوغًا مبكرًا. ثم التحق بمدرسة المعلمين العليا، وكان ترتيبه الأول في الأجرجاسيون (معهد فرنسي). وقد عُيِّنَ ميرلوبونتي معيدًا بهذا المعهد الفرنسي الكبير، ثم مدرسًا في مدارس ثانوية مختلفة. وكان عام 1944م نقطة تحول هامة في حياة ميرلوبونتي، إذ تمت فيه مناقشة رسالتي الدكتوراه اللتين تقدَّم بهما لنيل هذه الدرجة من السوربون.
وكان موضوع الرسالة الأولى منهما هو (فينومينولوجية الإدراك الحسي) بينما كان موضوع الثانية هو (بناء السلوك). أما باقي مؤلفات ميرلوبونتي في الفلسفة فهي في معظمها محاضرات ومقالات ودراسات متفرقة، ظهر بعضها في مجلة "الأزمنة الحديثة" حيث كان فيلسوفنا يشرف على تحريرها. ومن أهم هذه المؤلفات كتابه "مغامرات الديالكتيك" وكتابه "علامات" وكتابه "المرئي واللامرئي". ولميرلوبونتي أيضًا عدة مقالات سياسية هامة نشرت عام 1947م، وهي تتعرض بصفة خاصة لدراسة مشكلة الشيوعية. وهل لهذا الكم من الكتابات أثر على ميرلوبونتي؟
بالطبع، صديقي القارئ، كل هذه الدراسات الفلسفية والنفسية شاهدة على اطلاعه الواسع، وروحه العلمية الدقيقة، وإن كان البعض منها صدى لانشغال فيلسوفنا بتطبيق المنهج الفينومينولوجي على بعض المشكلات الفلسفية والسيكولوجية، مع تأثيره في الوقت نفسه بكل من هيدجر وفلاسفة الصورة وبعض علماء النفس السلوكيين. فجاء كتابه "العين والعقل" من أروع ما كتب هذا الفيلسوف.
وإذا كانت الكتابة الفلسفية تتطلب الإيجاز والدقة والوضوح، فإن هذا الكتاب، ربما أكثر من غيره، قد امتاز بالإيجاز والدقة، فضلًا عن الطرافة والعمق. فإن ميرلوبونتي قد تخلى، في هذا الكتاب بالذات، عن الوضوح والإفصاح، لأن الموضوعات التي يتناولها هي، كما تقول عبارة جاسكية التي أوردها ميرلوبونتي في صدر الكتاب، "أشد غموضًا وتتشابك مع أصول الوجود ذاتها ومع منبع الإحساسات الذي لا يمكن لمسه".
لا سيما عندما يقرر أن التعبير هو الجسم أو أن العالم مصنوع من نفس نسيج الجسم، فإن آخرين، مثال جان بول سارتر، قد رأوا أن "العين والعقل" يقول كل شيء، وإنما بشرط أن نعرف كيف نحل ألغازه. ولقد أراد ميرلوبونتي في هذا الكتاب أن يوضح لنا أن الإدراك الحسي للعالم يبدأ بالرؤية، وهذه الرؤية تتجه أول الأمر إلى سطح العالم، لكنها تتوغل داخله بحيث يدرك الإنسان العالم المحسوس ويبلغ خفاياه، ولكن لا يتخلى عن الرؤية.
وختامًا، كانت هذه نظرة خاطفة قصدنا بها تسليط الضوء على فكر وفلسفة موريس ميرلوبونتي لِمَا يحمله من دلالة مهمة في التاريخ الفلسفي، فكانت أفكاره ونظرياته بمثابة الضوء الكاشف للطريق الذي سار على هداه كل من أتى بعده.
[email protected]