الزاد
ثبات.. فى زمن المساومات
بعد نحو أسبوع من انعقاد القمة العربية الرابعة والثلاثين فى بغداد، ما زالت كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى تتردد فى الأذهان، وتُناقش فى الأروقة السياسية والإعلامية، لأنها لم تكن مجرد كلمة عابرة، بل كانت درسًا جديدًا فى الثبات على المبدأ، ورسالة لا لبس فيها: مصر لا تتخلى عن قضية العرب مهما حدث.
فى عالم يتقن فن المساومات والمقايضات السياسية، ويضيع فيه الحق فى زحام الصفقات، جاءت كلمة الرئيس السيسى لتكون بمثابة صرخة صدق وسط ضجيج المصالح، وتذكير بثابت لا يجب أن يسقط: لا سلام فى الشرق الأوسط بدون إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
قالها الرئيس السيسى بالحرف:
«حتى لو نجحت إسرائيل فى إبرام اتفاقيات تطبيع مع جميع الدول العربية، فإن السلام الدائم والعادل والشامل فى الشرق الأوسط سيظل بعيد المنال ما لم تُقم الدولة الفلسطينية».
عبارة نُطقت فى لحظة مصيرية، اختزلت الحقيقة العارية، وأعلنتها بوضوح لا يحتمل التأويل. كانت موجهة إلى كل من حاول تهميش القضية، أو اعتبرها ورقة قابلة للطى. هذه الرسالة لم تكن فقط لإسرائيل وأمريكا، بل للعالم كله، خصوصًا من بات يتعامل مع فلسطين كملف يمكن تجاوزه.
فى ميزان السياسة، لا تجوز المقارنات السطحية، لكن من الإنصاف القول إن هذه العبارة التى قالها الرئيس السيسى كانت الأقوى منذ خطاب السادات فى الكنيست عام 1977، حين واجه الصهاينة بالحقيقة، وطرح ما لم يكن أحد يجرؤ على طرحه.
واليوم، يأتى السيسى فى واقع عربى أكثر تشرذمًا وتعقيدًا، ليعيد ضبط البوصلة، ويضع الأمور فى نصابها الصحيح. لقد أعاد تثبيت المعادلة الواضحة: لا تطبيع، لا تسويات، لا شرعية لأى اتفاق، ما لم تكن الدولة الفلسطينية على الخريطة.
ما لا يمكن إغفاله، أن هذه الكلمة كانت ردًا ضمنيًا على نهج الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب، الذى وعد بقيام دولة فلسطينية، ثم نكص عن وعوده، وترك إسرائيل تُلقى بحممها على غزة، دون أن يرف له جفن.
ترامب جاء كمن يحمل الأمل، ثم انصرف كطفل نال لعبته، غير مبالٍ بما خلّفه من دمار ودماء وخيبة أمل.
منذ عهد السادات، لم تتغير عقيدة مصر فى السلام: العدل أولًا، الحقوق قبل المعاهدات. وجاء الرئيس السيسى ليؤكد على هذا الثابت: القضية الفلسطينية ليست عبئًا ولا ورقة سياسية، بل جوهر الاستقرار فى المنطقة.
كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى قمة بغداد لم تكن بروتوكولًا تقليديًا، بل كانت إعلان موقف تاريخى، يجب أن يُسمع جيدًا — من واشنطن إلى تل أبيب، ومن كل عاصمة عربية تعتقد أن طريق الاستقرار يمر فوق أطلال فلسطين.
لقد أعاد السيسى، بكلمات واضحة حاسمة، القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد، وأعلنها بلا مواربة:
لا سلام دون دولة فلسطينية.
ليست عبارة للاستهلاك الإعلامى، بل مبدأ يعيد تعريف السلام فى الشرق الأوسط.