بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

اﻟﻌﺬاب ﻓﻰ المﺴﺘﺸﻔﻴﺎت الجﺎﻣﻌﻴﺔ

بوابة الوفد الإلكترونية

الإهمال يفتك بمستشفى «الميري» فى الإسكندرية.. والمرضى يصارعون الموت

الواسطة والسوق السوداء.. «بقع» على ملابس ملائكة الرحمة

الاستشاريون خلف المكاتب.. والهواتف وسيلة التشخيص

المستلزمات الطبية غير متوافرة.. والواتساب بديل الأطباء 

القهر علي أبواب العيادات

 

ليس لهم الحق فى العلاج.. أو الدخول للعيادات، ولا ينتمون للمحسوبية بل هم فقراء لا يملكون سوى اللجوء إلى الله، يشكون آلامهم ويصرخون طلبًا للرحمة.. مشاهد مأساوية على أعتاب المستشفيات الجامعية فى المحافظات.. مرضى ملقون أمام الأبواب، تذاكر تباع فى السوق السوداء، اقسام تدار عبر «الواتساب»، سرنجات فارغة وأكوام قمامة.

هذا هو الواقع المؤلم الذى آلت إليه المستشفيات الجامعية، بعد أن تخلّت عن رسالتها فى رعاية الفقراء وتقديم الخدمة الطبية لمن هم فى أمس الحاجة إليها.. يُعامل المرضى كما لو أنهم عبء لا يستحق الاحترام.

فى مستشفى «الميري» بالإسكندرية رائحة الموت تسيطر على العيادات والأقسام بعد انعدام الخدمات، وتنتشر المخلفات الطبية من سرنجات فارغة وعبوات أدوية بين أكوام القمامة داخل غرف الاستقبال والعناية المركزة، فى مشهد يعكس حجم الإهمال.. أما «القطط»، فقد أصبحت جزءًا من المشهد، تتسلل بين المرضى دون حسيب أو رقيب، وسط غياب تام للرقابة وتدهور فى مستوى الضمير المهني.

المستشفى، الذى يقصده يوميًّا مئات المرضى من الفقراء، أصبح مزاراً للمعاناة، حيث لا يجدون أمامهم سوى أطباء امتياز ومتدربين، يتعاملون مع الحالات الحرجة بحيرة، فلا يقدمون علاجاً وإنما يكتفون بتصوير المرضى بهواتفهم المحمولة وإرسال الصور إلى الطبيب الاستشاري، الذى لا يغادر مكتبه لإجراء الكشف، ويصدر قراراته عن بُعد، بينما يحتفظ بخبرته لعياداته الخاصة، ويحرم منها من لا يملكون تكلفة العلاج.

كل من اضطرته الظروف لاصطحاب مريض إلى مستشفى «الميري»، يعيش رحلة عذاب تبدأ من بوابته، وتستمر فى طرقاته المتهالكة. فالمستشفى يعد من أهم المستشفيات التى يلجأ إليها المرضى من محافظات الإسكندرية، البحيرة، مطروح، وكفر الشيخ، خاصة فى حالات الطوارئ والحوادث، إلا أن الواقع المؤلم يحوّل هذا الملجأ إلى مصدر للوجع.

«الوفد» قامت بجولة داخل أقسام المستشفى، ورصدت صورًا مروعة من الإهمال والتلوث، بدءاً من إلقاء القطن والشاش وأدوات الجراحة على الأرض، إلى تجول الحيوانات الضالة داخل الأروقة والسلالم، فى ظل غياب أى انزعاج من العاملين أو المرضى. أما دورات المياه، فتغيب عنها أبسط مقومات النظافة، والأسِرّة متهالكة ومتكسّرة، وكأنها خارج نطاق الخدمة.

داخل قسم الاستقبال، ترتفع الصرخات طلبًا للنجدة، بينما تتكدس أقسام الطوارئ بالمرضى الذين يفترشون الأرض، لعدم وجود أسِرّة كافية، أما الأدوية والمستلزمات الطبية، فرغم توافرها داخل دواليب متهالكة، إلا أن صرفها يتم بمزاجية، وربما حسب «القدرة المالية»، ومن يعترض يتم تهديده بالطرد.

تقول إيمان محمود، موظفة: «المستشفى يعانى الإهمال فى كل شيء، من التلوث إلى سوء المعاملة من قبل الأطباء والممرضات، الذين لا يتردد بعضهم فى ترديد ألفاظ خارجة وطرد المرضى، الانتظار طويل رغم وجود طاقم طبي، لكنهم ينشغلون بالأحاديث الجانبية، كثير من المرضى يذهبون إلى غرفة العمليات سيراً على الأقدام لعدم وجود سرير أو كرسى متحرك، والدماء تملأ الأرض دون تطهير».

وأضافت سحر مصطفى، ربة منزل: «لا توجد إمكانيات طبية أو تعقيم كافٍ لغرف العمليات، رغم أن المستشفى يعالج مرضى من محافظات عديدة، المرضى يجلسون فى الطرقات والسلالم، وينتظرون شهورًا لإجراء عمليات جراحية عاجلة، وحقهم فى العلاج المجانى مهدور».

وتابع محمود صابر - مريض - : «أصبت فى عملى كنجّار مسلح وخضعت لعدة عمليات فى مستشفى «الميري». وبعد فترة، أخبرنى الطبيب أن الشرائح والمسامير التى يفترض وجودها فى ظهرى غير موجودة، وطلب إعادة الأشعة. لم أجد إجابة عن مصيرها. 

وقدمت بلاغاً للنائب العام حمل رقم 727373 لسنة 2024، وتمت إحالته إلى نيابة العطارين للتحقيق، الآن لا أستطيع العمل، وحالتى تدهورت».

ماجدة حسن، موظفة: «شقيقى توفى بسبب الإهمال فى المستشفى. تعرض لحادث وتم نقله إلى «الميري»، حيث ظل ينزف دون تدخل طبى حقيقي، وكان الأطباء يكتفون بتصويره بهواتفهم وإرسال الصور إلى الاستشاري، الذى لم يحضر، لافتة إلى أنهم طلبوا شراء كل المستلزمات الطبية، وحتى فى غرفة العمليات كانوا يطالبوننا بتوفير خيوط الجراحة، بعد بتر قدمه، تدهورت حالته النفسية وتوفي، وتضاربت التقارير حول سبب الوفاة، بين نزيف بالمخ وضعف فى عضلة القلب».

أحد العاملين، رفض ذكر اسمه، قال: «الخدمات الطبية فى الميرى سيئة للغاية، تعقيم غرف العمليات غير كافٍ، والمستشفى يعانى من ضغط شديد نتيجة استقباله مرضى من عدة محافظات، بينما تعانى قلة فى الإمكانيات والدعم من وزارة الصحة، وهو ما يؤدى إلى تفشى الإهمال الطبى وسوء حالة المستلزمات».

الفيوم للواسطة..  والتذاكر فى السوق السوداء 

تعد مسألة ذهاب المريض إلى المستشفى الجامعى بالفيوم بمثابة مؤامرة على حياته، بسبب الإهمال وتدخل الواسطة والمحسوبية فى قرار استقبال المريض من عدمه، وأصبح لزاما على المرضى أن يتواجدوا على باب المستشفى فجرا حتى يتمكنوا من الحصول على تذكرة دخول، أو البحث عنها فى السوق السوداء مع العاملين بالمستشفى.

حكايات وروايات على أبواب مستشفى جامعة الفيوم، يرويها مرضى يصارعون الموت وينتظرون تأشيرة دخول للعرض على الأطباء، فى مشهد متكرر ولم يخطر ببال المسئولين وضع الحلول الجذرية التى تسهم فى تخفيف الأعباء عن كاهل المرضى أمام باب المستشفى الذين يعتبرونها ملاذا آمنا لهم.

يأتى هذا فى الوقت الذى تقوم فيه الدولة بتقديم كافة سبل الدعم للقطاع الصحي، من خلال دعم المستشفيات بأحدث الأجهزة الطبية وعلى رأسها المستشفى الجامعى نظرا لشدة الإقبال عليها، بجانب مستشفى الفيوم العام، إيمانا منها بأهمية حصول المواطن على الرعاية الطبية الشاملة وحرصا على ضرورة حصول المواطن البسيط على حقه فى هذه الرعاية، ولكن مع كل هذا ما زال الفساد يضرب بقوة فى المستشفى الجامعي، والذى يعتبر قبلة المواطنين البسطاء هروبًا من الارتفاع الجنونى فى أسعار تذاكر الكشف الطبى فى العيادات الخاصة التى تخطت قيمتها مبلغ 500 جنيه للكشف الواحد، بالإضافة إلى أسعار التحاليل والآشعة، والتى تكلف المرضى مبالغ باهظة ليست فى متناول المواطن البسيط.

وكان المستشفى قد شهد افتتاح عدد من الأقسام وتزويدها بالأجهزة الطبية الحديثة، وزيادة السعة الاستيعابية، حيث تم إضافة غرف عمليات مجهزة على أعلى مستوى، مرفق بها وحدة للتعقيم، وأسرّة للإفاقة، وجهاز تخدير، وجهاز «سى آرم» ووحدة تقوم بعمل مناظير الجهاز الهضمي، والقنوات المرارية، ومناظير الجهاز التنفسي، وعينات الكلى، ونخاع العظام، والسائل الشوكي، وسحب الارتشاح البللورى والبريتوني، بالإضافة لجلسات تنظيم إيقاع المخ، كما شملت الافتتاحات، تطوير «الأقسام الداخلية» بمستشفى الجراحة الجامعي، والتى تضمنت أقسام العظام، والمخ والأعصاب، ووحدة «رعاية القلب»، وزيادة عدد أسرتها، وتجهيزها بأحدث أجهزة التنفس الصناعي، وجهاز الصدمات الكهربائية، وقسم جراحات القلب والصدر، و«قسم الحالات الحرجة» الخاصة بأمراض القلب، بالإضافة إلى تطوير الغرف الداخلية الخاصة بها، المتضمنة جراحة العظام، والمخ والأعصاب، والنساء، والأنف والأذن والحنجرة.

وبالرغم من موجة التطوير التى شهدها المستشفى لا يزال المرضى يعانون الأمرين من أجل الحصول على تذكرة دخول المستشفى، وأصبح الدخول مرهونا بتدخل الواسطة التى تتسبب فى دخول مريض دون الآخر، وأصبحت التذاكر تباع على المقهى المواجهة لباب المستشفى الرئيسى دون حسيب أو رقيب.

فى البداية يقول شعبان على السيد من منطقة «الصيفية» بمدينة الفيوم: صليت الفجر بمسجد مجاور للمستشفى وذهبت إلى باب المستشفى رفقة آخرين للحصول على تذكرة دخول، وفى هذا التوقيت لا يوجد موظفون بالمستشفى بل مجموعة من الشباب الذين يعاملون المرضى معاملة سيئة من أجل الحصول على المال، وعندما وصلنا إلى الشباك قالوا لنا الموظف يأتى فى التاسعة صباحا، وكان غالبية الحضور من كبار السن وفى هذا اليوم فشلنا فى دخول المستشفى، حتى وجدنا أحد العاملين واتفقنا معه على دخول المستشفى فى اليوم التالى مقابل مبلغ مالى يتقاضاه نظير ذلك.

أما أغرب القصص فترويها إحدى السيدات التى وجدناها جالسة على حصيرة فى المقهى «الغرزة» المتواجدة أمام باب مستشفى الجامعة القديم، فقالت: جئت إلى هنا مرات عديدة, ولم أتمكن من الدخول بوالدتى المريضة وفى أحد الأيام التقيت سيدة قدمت لى حيلة ذكية وغريبة، من خلال إحضار خمس سيدات تحصل كل واحدة منهن على مبلغ خمسين جنيها يقمن بالنواح والعويل بصوت عالٍ جدا تحت زريعة أن المريضة حالتها سيئة وهنا يتدخل القائمون على الأمر من العمال لتهدئة الأوضاع حتى لا ينكشف ما يقومون به، وبالفعل تم دخول والدتى إلى المستشفى وظلت لمدة أسبوعين حتى تم إجراء العملية الجراحية مع عمل جميع التحاليل والآشعة خارج المستشفى على حسابى الخاص.

وتمثل عملية الدخول معاناة أكبر للمرضى الذين يلجأون إلى المستشفى من القرى والعزب النائية فى مراكز طامية وأبشواى وإطسا ويوسف الصديق بسبب بعد المسافة بين هذه المناطق ومدينة الفيوم، ويحتاج المريض إلى المبيت عند أحد أقاربه بالمدينة، أو فى سيارة أمام المستشفى حتى يتمكن من التواجد فجرا لحضور سباق الحصول على تذكرة دخول.

ويناشد المرضى الدكتور أحمد الانصارى محافظ الفيوم، التدخل العاجل لحل مشكلة الزحام وتكدس المرضى على أبواب مستشفى الفيوم الجامعى والعمل على تنظيم عملية الدخول حتى يتمكن المرضى من الحصول على الرعاية الصحية.

من ناحية أخرى تعانى المستشفيات الجامعية بمحافظة الغربية، والبالغ عددها ثمانية عشر مستشفى، من ضغط شديد بسبب تزايد أعداد المرضى، وهو ما يحمّلها أعباء إضافية تفوق قدراتها الطبية، رغم الإنفاق الحكومى الكبير عليها وتوفر أعداد كبيرة من الكوادر الطبية المختلفة من أطباء، تمريض، فنيين، وعمال.

هذا الضغط المتزايد ترافق مع حالة واضحة من الإهمال فى بعض المستشفيات الجامعية، ويعود ذلك لعدة أسباب منها الحالة الاقتصادية الصعبة التى يعانى منها الكثير من المرضى، والتى لا تمكنهم من الذهاب إلى المستشفيات الخاصة، وتدهور مستوى الخدمة الطبية فى المستشفيات المركزية المنتشرة فى المدن والمراكز وبعض القرى، ما يدفع المرضى للتوجه نحو المستشفيات الجامعية باعتبارها الخيار الأفضل المتاح.

وفى هذا السياق، التقت «الوفد» بعدد من المواطنين بمحافظة الغربية لسماع شكاواهم عن واقع المستشفيات الجامعية، خاصة فى مدينة طنطا.

يقول محمد أبو المجد، يعمل فى مجال الأعمال الحرة، إن زوجته تم حجزها بقسم النساء والتوليد بمستشفى جامعة طنطا نتيجة حالة ولادة مبكرة، وبقيت فى المستشفى قرابة الشهر. 

وأوضح أن المشكلة الكبرى كانت فى غياب المستلزمات الطبية الأساسية داخل المستشفى، حيث اضطر إلى شراء كافة المستلزمات من الصيدليات المجاورة وعلى نفقته الخاصة، بالإضافة إلى تحمّله تكلفة الأشعة والتحاليل، رغم توافر هذه الخدمات فى المركز الطبى للمستشفى.

وأشار إلى أن المستشفى تحوّل إلى مجرد مكان للإقامة، حيث يتولى طبيب الامتياز تنفيذ التعليمات التى يتلقاها من أساتذة القسم عبر تطبيق «الواتساب»، حيث يقوم الطبيب بإرسال تقارير كل حالة لرئيس القسم الذى بدوره يحدد طريقة التعامل مع كل حالة عن بُعد.

واعتبر «أبوالمجد» أن المشكلة الأكبر تمثلت فى عدم توافر حقنة «الرئة» اللازمة للولادة المبكرة، والتى يجب إعطاؤها للطفل خلال أول 12 ساعة من الولادة، ما اضطره لشرائها من السوق السوداء بمبلغ 18 ألف جنيه، رغم أن سعرها الحقيقى لا يتجاوز 5 آلاف جنيه.

وفى قسم العظام بالمستشفى الجامعي، أكد عدد من الأهالى المرافقين للمرضى أن المستشفى لا يوفر المستلزمات الجراحية المطلوبة، مثل الشرائح والمسامير، ما يدفعهم لشرائها من شركات خاصة بأسعار باهظة دون أى رقابة. 

وتظل الحالات فى انتظار العمليات حتى يتم توفير هذه المستلزمات، وفى حال تعذر على أهل المريض شراؤها، يبقى المريض فى حالة استغاثة مستمرة دون تدخل.

وطرح المواطنون سؤالاً جوهرياً: لماذا لا تقوم إدارة المستشفى بتوفير المستلزمات اللازمة لإنقاذ المرضى بشكل فوري، ثم تحصيل تكلفتها لاحقاً بالأسعار الحقيقية، لحماية المرضى من جشع السوق السوداء؟

وفى محيط عنبر المخ والأعصاب بمستشفى طنطا الجامعي، وجدنا عشرات المرافقين يفترشون الأرصفة، تظهر عليهم علامات التعب والإجهاد. وأوضحوا أنهم يضطرون للمبيت فى العراء أمام العنبر بسبب عدم السماح للمرافقين بالبقاء داخل القسم، فيما يطلب منهم الأطباء ضرورة بقاء شخص واحد خارج العنبر طيلة الوقت، ليتمكن من شراء ما يلزم للحالة من خارج المستشفى عند الحاجة.

ورغم أنه تم إنشاء عدد من المستشفيات الجامعية على أحدث طراز طبي، مثل المستشفى الفرنساوي، ومستشفى الكبد الجامعي، ومستشفى سرطان الأطفال، ومستشفى الرمد، وغيرها، وجميعها مجهزة بأحدث الأجهزة والكفاءات، فإن هذه الإمكانات تحتاج إلى دعم مادى حقيقى ومستدام من الدولة، لتقديم خدمات مجانية أو بأجور رمزية للفئات الضعيفة التى لا تملك القدرة على العلاج، وتحتاج إلى رعاية طبية مجانية تحفظ لها كرامتها الإنسانية، وتُمكن هذه المستشفيات من أداء الدور الكبير الذى أُنشئت من أجله.