بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

صفقات ترمب الخليجية

على مدى أربعة أيام، جال دونالد ترمب بين الإمارات والسعودية وقطر، يوقّع الصفقات، ويعقد الاجتماعات، ويصيغ التفاهمات. لم تمرّ زيارته بهدوء؛ فالمبالغ التي صاحبتها، من عقود واستثمارات، كانت كفيلة بإثارة العناوين وجدالات المقاهي. لكنها، رغم ضخامتها، لم تكن أكبر من طموح هذه الدول.

فالمنطقة لم تعد تتعامل مع الاستثمارات كمكاسب عابرة، بل كمداخل استراتيجية لإعادة تشكيل حاضرها، وصناعة مستقبلها.

في الإمارات، مثلًا، أُعلن عن مشروع ضخم مع شركة G42 لبناء أحد أكبر مراكز الذكاء الاصطناعي في العالم، بطاقة تشغيلية 5 غيغاواط، وتجهيز 2.5 مليون وحدة معالجة رسومية من NVIDIA. المشروع لا يضيف فقط إلى القدرات التقنية، بل يُتوقع أن يُساهم بـ12% من الناتج المحلي، عبر تسريع الرقمنة، وتعزيز الابتكار، وتطوير الخدمات الذكية.

إنه ليس مجرد مركز بيانات، بل بنية تحتية تنتج حلولًا ذكية تمسّ حياة الناس مباشرة:
في التعليم، منصات تفاعلية تُدرّس بلغتك، وتفهم قدراتك.
في الصحة، أدوات تشخيص مبكر وعلاج شخصي ذكي.
في النقل، مركبات ذاتية القيادة تديرها أنظمة لا تتأخر ولا تُخطئ.
وفي الخدمات العامة، أنظمة تقلّل التكاليف، وتزيد الكفاءة، وتوفّر وقتك وجهدك.

السعودية بدورها أطلقت مبادرة "ذكاء العربية"، لتعريب نماذج الذكاء الاصطناعي، حتى تكون أدوات المستقبل ناطقة بلغتنا، ومتصلة بواقعنا واحتياجاتنا.
أما قطر، فوسّعت استثماراتها في مشاريع البيانات والطاقة المتجددة، لتشارك بفعالية في بنية إقليمية رقمية لا تُنتج فقط، بل تُصدّر.

هذه المشاريع لم تأتِ من باب الرفاهية، بل كجزء من منظومة استثمارية مدروسة، شملت:
- مراكز بيانات وتطبيقات سحابية.
- مشاريع طاقة نظيفة وهيدروجينية.
- صناعات دفاعية ذكية وتوطين تقني.
- زراعة رأسية وغذاء مستدام.
- نظم تعليم وصحة ذكية.
- بنية معرفية تدعم المحتوى العربي رقميًا.

ولأن الفرص لا تعرف الحدود، فقد تحركت الاستثمارات العربية نحو بيئات واعدة، مثل صفقة "رأس الحكمة" التي وُقّعت بين الإمارات ومصر العام الماضي بقيمة تجاوزت 35 مليار دولار. صفقة لم تُبَنَ على مجاملة، بل على جدوى اقتصادية واضحة، تؤكد أن الدول تتحرك خلف النجاح أينما وُجد.

وبينما تُبنى هذه البنية التحتية، تبرز الإمارات كنموذج لدولة تُتيح، لا تحتكر.
فهي اليوم تحتضن أكثر من 200 جنسية، بينهم جاليات عربية فاعلة في الاقتصاد، والإعلام، والتقنية، والإبداع.
ولمن يملك الموهبة أو المشروع، هناك خيارات مفتوحة:
- الإقامة الذهبية للمستثمرين والمبدعين والعلماء.
- إقامة المبدعين، وإقامة النخبة، وإقامة الباحثين… جميعها منصات لا تمنح إقامة فقط، بل تمنح مجالًا لخلق أثر.

تُعاد كتابة دور المنطقة من جديد: ليس كطرف ينتظر ما يصنعه غيره، بل كطرف يُشارك في كتابته، بندًا بندًا، وخوارزميةً بخوارزمية.

وأستعيد هنا جملة الخليفة العباسي هارون الرشيد، حين نظر إلى سحابة ممطرة وقال:
"أمطري حيث شئتِ، فإن خراجكِ عائدٌ إليّ."

فها هي المشاريع الخليجية، اليوم، تمطر… لكنّ خراجها عائد، وبقوة، إلى كل بيت عربي يُحسن فهم الفرصة، ويُدرك أن الغد ليس بعيدًا، بل يُصنع الآن.