بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حين يتكلم الجسد في السياسة


في مشهدٍ أثار الانتباهَ على مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ، ظهرَ الرئيسُ الأمريكيُّ السابقُ دونالد ترامب في مُقتبلِ زيارتِهِ للإماراتِ، يمرُّ بين صفَّينِ من الرجالِ والفتياتِ يؤدّونَ رقصةً تراثيةً إماراتيةً.
النساءُ كُنَّ يُلوِّحنَ بشعورهنَّ الطويلةِ في حركةٍ إيقاعيةٍ، بينما كان الرجالُ يُلوِّحونَ بالسيوفِ وهزِّ الأكتافِ، في مشهدٍ فنِّيٍّ مدروسٍ يُعبِّرُ عن التراثِ المحليِّ، والمشهدُ لم يكن مجردَ رقصةٍ، بل كان كما هي كلُّ الحركاتِ في السياسةِ لغةً جسديةً ذاتَ رسالةٍ.
الرقصةُ كما ظهرت تقتربُ تراثياً في الإماراتِ وقطرَ وعُمانَ لفنٍّ يُطلقُ عليه "العيّالةُ" أو "فنُّ العازي"، وهي رقصةٌ شعبيةٌ تُؤدَّى في الاحتفالاتِ والمناسباتِ الكبرى، وتتضمّنُ حركاتٍ شعريةً وإيقاعيةً تُرمِّزُ للفخرِ، والشجاعةِ، والانتماءِ، وتحريكُ الشعرِ للنساءِ في هذا السياقِ ليس حركةً عشوائيةً، بل إشارةٌ رمزيةٌ متوارثةٌ تُعبِّرُ عن الفرحِ والاعتزازِ، لا الإغواءِ أو الترفيهِ.
ما حدث في الاستقبالِ هو توظيفٌ لهذا الفنِّ التقليديِّ في إطارِ استقبالٍ رسميٍّ، بهدفِ إبهارِ الضيفِ بعنصرٍ ثقافيٍّ محليٍّ فريدٍ.
لكن.. كيف يُفهمُ المشهدُ للعامةِ؟، المشكلةُ ليست في الرقصةِ، بل في المتلقي والسياقِ، فهناك من رأى المشهدَ احتفاءً فنياً جميلاً، يعكسُ تنوّعَ الثقافةِ الإماراتيةِ وشجاعتَها في التعبيرِ.
وهناك من رأى فيه مبالغةً غيرَ مُبرَّرةٍ، خاصةً أنَّ الضيفَ هو شخصيةٌ خلافيةٌ، تُثيرُ الاستقطابَ العالميَّ أكثرَ مما تستحقُّ التكريمَ الزائدَ، وهناك من لم يرَ سوى رموزٍ أنثويةٍ تُستخدمُ في مشهدٍ سياسيٍّ، واعتبرَ ذلك سوءَ تقديرٍ رمزيٍّ، وفي زمنِ الصورةِ السريعةِ، كلُّ لقطةٍ تُقرأُ بألفِ تأويلٍ حين يصبحُ الجسدُ أداةً دبلوماسيةً في التعبيرِ.
لا شكَّ أنَّ لغةَ الجسدِ أصبحت جزءاً من أدواتِ السياسةِ الناعمةِ، فيما يبدو أنَّ الدولَ لم تعد تُعبِّرُ فقط بالكلماتِ، بل بما تُظهرهُ الأجسادُ في الاستقبالِ، والإيماءةِ، والوقفةِ، وحتى الرقصِ، لكن تبقى الرموزُ الجسديةُ الأنثويةُ تحديداً أكثرَ حساسيةً، لأنها تحملُ تفسيراتٍ ثقافيةً متباينةً جداً وربما تصلُ لخلافٍ جدليٍّ بين مجتمعٍ وآخرَ، ومن هنا، يفرضُ السؤالُ نفسَهُ: "هل من الحكمةِ استخدامُ هذه الرمزيةِ في استقبالاتٍ رسميةٍ على هذا المستوى؟ هل جاءت الرسالةُ واضحةً ومضبوطةً؟ أم أنها فتحت البابَ لتأويلاتٍ قد تُضعفُ لا تُقوّي؟".
عموماً… بين الفخرِ والذكاءِ الرمزيِّ، لا يمكنُ إنكارُ جمالِ المشهدِ بصرياً، ولا خصوصيةُ التراثِ الإماراتيِّ الذي يُعبِّرُ بطريقتِهِ، لكن حين يدخلُ الجسدُ دائرةَ السياسةِ، يصبحُ كلُّ تفصيلٍ فيه جزءاً من رسالةٍ، والمطلوبُ اليومَ ليس تقييدَ التعبيرِ، بل الوعيُ بحساسيةِ التلقي، خصوصاً في زمنٍ لا يتركُ مساحةً للتفسيرِ.. بل يكتفي باللقطةِ.