على فكرة
إلى أهل القمة فى بغداد
كنت أتمنى مع كثيرين غيرى من المواطنين العرب، نفى الأنباء التى تحدثت عن غياب نصف القادة العرب عن المشاركة فى الدورة الـ34 للقمة العربية التى تبدأ أعمالها اليوم السبت فى العاصمة العراقية بغداد. والأسباب كثيرة وراء تلك الأمنيات، لعل أبرزها التغيرات التى حدثت فى الإقليم وتسعى فى جوهرها لاقتلاع أى مقاومة لاحتلال إسرائيل للأراضى الفلسطينية، دون إلزامها بالاعتراف بحقوق الفلسطينيين، أو حتى التصدى لنزعاتها التوسعية، وصد أذرعها الممتدة بالعدوان شبه اليومى على لبنان وسوريا واليمن.
وفى هذا السياق كان من المهم التطلع إلى قراءة القادة العرب لأبعاد جولة الرئيس الأمريكى ترامب الخليجية، التى انطوت على تعهد برفع العقوبات الأمريكية عن سوريا، والتبشير بقرب التوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووى، وحث السعودية وغيرها من الدول العربية على الانخراط فى الاتفاقات الإبراهيمية والبدء بعلاقات دبلوماسية بينها وبين إسرائيل. وقبل هذا وذاك، عقد صفقات استثمار مع الدول الخليجية الثلاث السعودية وقطر والإمارات لصالح الولايات المتحدة، بما قيمته نحو ثلاثة تريليونات دولار، وصفها اقتصاديون بأنها الأكثر ضخامة فى تاريخ العلاقات بين الطرفين.
وفى الوقت الذى تباهى فيه الرئيس الأمريكى فى جولته، بنجاحه فى وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، وعقد اتفاق مع الحوثيين يقضى بعدم التعرض للسفن الأمريكية، وسعيه لوقف الحرب الأوكرانية، فقد بدا لافتًا للنظر تجاهله الحديث عن المطالبة العربية بوقف حرب التجويع والإبادة الجماعية للشعب الفلسطينى فى غزة، وسرعة إدخال المساعدات للجوعى والجرحى والمرضى، ووقف الاستيطان الهستيرى فى الضفة الغربية. ليس هذا فحسب بل ترديده فى خطبه للمزاعم الإسرائيلية التى سبق نفيها ولم تثبت أى جهة صحتها، ولم يراجعه أحد من مستمعيه حولها، عن اغتصاب المقاومة الفلسطينية للنساء فى هجوم السابع من أكتوبر، ولعل من شأن ذلك أن يوقف المبالغات الدعائية عن وجود خلاف بينه وبين إسرائيل. كل تلك التطورات كان يستدعى الحضور الجماعى للقادة العرب فى قمة بغداد، بما يبعث ولو حتى شعور الاطمئنان الشكلى لدى المواطن العربى، أن أمل لم الشمل العربى غير مستحيل.
كنت وما زلت أؤمن أن اجتماع القادة العرب فى القمم العربية، حتى ولو لم يسفر عن نتائج باهرة، هو فى حد ذاته «خير وبركة». لأن اللقاء الشخصى وجهًا لوجه من شأنه أن يذيب بعض الحساسيات، كما هو قد يتيح الفرصة خارج الاجتماعات الرسمية، وملاحقات وفبركات وسائل الإعلام، للنقاش الودى حول القضايا المختلف بشأنها.
ولا تزال الجامعة العربية التى تنسق لعقد تلك القمم هى المظهر الرمزى الوحيد الباقى للتضامن العربى. وليس سرًا أن هجمات تشن من هنا وهناك، أخذت تطول بقاءها، وتبشر بانتهاء دورها، وهى هجمات ينبغى أن ترتد إلى صدور من يطلقونها، لأنها لا تستهدف مصالح دول وشعوب المنطقة.
وحتى مع غياب نصف القادة العرب عن المشاركة فى أعمال القمة، وتمثيل دولهم بوفود من مستوى أدنى من القيادات، فلن تغفر لهم شعوبهم انتهاء أعمال القمة، دون أن تقدم جهودًا ملموسة لوقف الحرب الأهلية فى السودان وليبيا واليمن، وحل الخلاف الجزائرى - المغربى، وأخذ قرار بآليات ملزمة لوقف التطبيع العربى المجانى من الدول العربية مع إسرائيل، وفتح حوار مع إدارة ترامب بموقف عربى موحد يقول علنًا ما يقوله سرًا، ويرهن خطوات التطبيع، بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، طبقًا لقرارات الأمم المتحدة.
ووضع معادلة غضب الشعوب العربية فى الحوار مع الولايات المتحدة حول القضايا العربية، من شأنه أن يعدل ميزان العدل المائل لصالح خصومها