أوراق مسافرة
هو وكل الضمائر الغائبة «10»
ضبط منظومة التعليم الأساسى والتعليم العالى علميًا وأخلاقيًا هو مفتاح الشفرة لمجتمع يتمتع بالرقى والتحضر المحترم الذى يتلاءم مع نسيج وطبيعة مجتمع معتدل ومتدين بالفطرة. ضبط منظومة التعليم يحقق بالضرورة مجتمعًا محميًا ذاتيًا ضد التغلغل والتغول الغربى لثقافتنا وأخلاقنا وديننا، ولا يمكن بحال من الأحوال فصل التعليم والعلم عن الأخلاق، فلا جدوى من طبيب أو محامٍ أو مهندس أو معلم ولا أى مهنة ولا حتى حرفة بدون الأخلاق، لأن العلم فى هذه اللحظة سيكون نقمة لا نعمة للمجتمع ولا حتى لصاحبه.
لذا يجب أولًا تحرير منظومة التعليم بشكل فعلى، ولا أريد أن أقول «راديكالى»، من سيطرة المال أو رأس المال، وذلك بالتوسع الأفقى فى كل المحافظات فى عدد المدارس القومية الأساسية، سواء التجريبية أو التى تعتمد على النظم الدولية للتعليم، فلا ينقصنا العقول ولا الخبرات لتطبق وزارة التربية والتعليم نظم وأساليب التعليم الدولى فى مدارسنا القومية ما يحاصر ويحد تغول المدارس الخاصة ومصاريفها الجنونية، وعلى رجال البزنس أن يستثمروا أموالهم فى جهات أخرى غير إنشاء المدارس الخاصة التى تبيع التعليم بالملايين للأثرياء ويتمسح بها أبناء الطبقة المتوسطة ضاغطين على أسرهم لحد «الفرم». المدارس الخاصة خلقت طبقة نفعية من رؤوس الأموال على حساب قيمة عظيمة بالمجتمع وهى التعليم الراقى الذى يرتكز على الأخلاق، فأصبح الطلاب يشترون التعليم والنجاح وكرامة المعلمين بأموال ذويهم. ثانيًا تحقيق شعار التعليم المجانى الذى ورثنا شعاره منذ العهد الناصرى، والذى لم يعد يعرف المجانية أبدًا، سواء لا فى مصاريف المدرسة وثمن الكتب، ولا ثمن الزى المدرسى الذى يتغير كل فترة ليجبر الآباء على شراء الجديد، ولا تكلفة الدروس الخصوصية التى هدمت ميزانيات الأسر، وليس أنفع للدولة من أن تنفق من موازنتها على قطاع التعليم، وأن تستثمر فى العقول لا الأموال، وأن تستثمر فى أجيال يجدون فرصًا متساوية وعادلة من التعليم الذى هو حق لكل مواطن وفقًا للدستور، ولا يفوتنى هنا بالطبع الإشارة إلى رياض الأطفال التى أنادى وأطالب بأن تتبع وزارة التعليم فى الإنشاء والإشراف، وأن يتم إلغاء رياض الأطفال الخاصة ولو بشكل تدريجى، بوضع حد أقصى لمصاريف تلك الحضانات بما يتناسب مع متوسط دخل الأسر العادية، ومعاقبة من يخالف ذلك بغرامات كبيرة أو بالإغلاق. التوسع فى إلحاق رياض الأطفال بالتعليم الحكومى الرسمى سيفتح مجال الشمولية لاستفادة الأسر من إعداد أطفالهم للتعليم الأساسى دون تفرقة على أساس المستوى المادى أو الاجتماعى، فلا يتم بالتالى حرمان الأطفال فى الشرائح الاجتماعية الأدنى من مزايا التعلم فى مرحلة رياض الأطفال ومن تكافؤ الفرص، ويخلق فجوة كبيرة فى الاستعداد للمدرسة بين مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية، وكذلك الأمر بالنسبة للمدارس الخاصة والدولية، أنا لا أطالب بالتأميم للمدارس الخاصة، بل أطالب بإنشاء مدارس على نفس المستوى من التعليم الخاص والدولى ولكن حكومية، وبالتالى ستنتهى أهمية المدارس الخاصة الاستثمارية تدريجيًا عندما تجد الأسر بديلًا موازيًا ومحترمًا ومجانيًا، ولينصرف المستثمرون فى التعليم إلى استثمارات أخرى ليس لها دخل بالتعليم ولا بيع النجاح والشهادات للأثرياء.
ثانيًا رفع أجور المعلمين بشكل لائق ومحترم يتناسب مع الدور التعليمى والأخلاقى الملقى على عاتقهم، فلا كرامة لمعلم ينتظر ثمن الحصة من الطالب، ولا كرامة لمعلم يتنطع على بيوت تلاميذه لإعطاء الدروس وتناول الشاى و«الكيك». كرامة المعلم يجب أن تحفظ داخل محراب المدرسة، وألا يتجاوز أسوارها ليبيع العلم. رفع أجور المعلمين بما يضمن لهم حياة كريمة سيقطع دابر الدروس الخصوصية، سيجعل المعلم أكثر ولاءً وعطاءً لحصة المدرسة من الشرح بضمير، سيجعل الطالب يستغنى عن الدرس الخصوصى، وأن يطبق المعلم نظام الامتحان الشهرى لاختبار مدى تحصيل الطلاب، وأن تكون درجات هذه الامتحانات تراكمية كأعمال السنة لنجاح الطالب وانتقاله للعام التالى، وألا يكون التركيز على امتحان نهاية العام فقط، وكم أتمنى أن يتم تطبيق ذلك حتى على سنة «البعبع» وأعنى بها الثانوية العامة، وهو ما يجبر الطالب على المذاكرة وتحصيل الدروس طيلة العام، وليس فقط تكديس المذاكرة للشهر الأخير قبيل الامتحان معتمدًا على الدروس الخصوصية.
وهذا النظام التعليمى معمول به فى كل دول أوروبا التى لا تعرف كلمة درس خصوصى، بجانب اعتمادهم على الأبحاث المكتبية، وعمل المشاريع الدراسية المشتركة بين الطلاب، وهو ما يجبر الطلاب على القراءة واستخلاص مادة البحث، وويل لمن يتم اكتشاف سرقته أو نسخه لأبحاث سابقة، تتم معاقبته بإعادة المادة فى العام الجديد أو تكليفه بمشروع جديد منفصل لا يشاركه أو يعاونه فيه أحد. رواتب المعلمين فى الدول المتقدمة ضمن الشرائح الأعلى فى الأجور، تعادل راتب القاضى وضابط الشرطة وكل أصحاب المهن الرفيعة أو ذات الصفة السيادية، فأهمية دور المعلم لا تقل عن أهمية دور القاضى الذى يحقق العدل، ولا الشرطى الذى يحقق الأمن. الأمن التعليمى أهم وأرقى وأخطر تأثيرًا بالمقارنة بأى مهنة أخرى، المعلم يحمل على عاتقه مهمة حمل عقول وأخلاق أجيال والمرور بهم فى سنوات صعبة إلى شاطئ الأمان لهم ولمجتمعهم، ومن يستهين بتلك المنظومة ويلقى بها فى أتون الاستثمار والرأسمالية المتوحشة، فقد هدم جيلًا بل وطنًا بأكمله.
وللحديث بقية