العمود الفقرى للمجتمع يترنح:
الطبقة الوسطى.. تحت الأرض
موظفون وأطباء ومهندسون يعانون وأسرهم فى حاجة لنظرة من الحكومة
التعليم أولى ضحايا انهيار رمانة ميزان المجتمع.. والنتيجة زيادة الضغط على مدارس وجامعات الدولة
مواطنون: وجّهنا معظم الدخل للطعام والشراب والعلاج مؤجل حتى إشعار آخر
كانت رمانة ميزان الشعوب وهى العمود الفقرى للمجتمعات بحسب وصف الخبراء، وهى صمام أمان المجتمعات وضمان للتنمية الإقتصادية، وحتى وقت قريب كانت هذه الطبقة من الطبقات الأكثر استقرارًا، ولكنها مع زيادة معدل التضخم أصبحت تجاهد وتحارب من أجل تلبية الاحتياجات الأساسية فقط وليس الرفاهيات، إنها الطبقة الوسطى التى أصبحت الأن تحاول الهروب من الانحدار نحو خط الفقر والذى وفقًا للاحصائيات يضم «ثلث الشعب» ولكنها تواجه أصعب التحديات من أجل البقاءً.
معاناة
الوفد اقتربت من مختلف فئات الطبقة الوسطى وحاولت نقل معاناتهم فقال محمود على 62 عامًا بالمعاش، كنت أعمل بإحدى الهيئات الحكومية التى تعتبر من الهيئات الاقتصادية وأتقاضيًا جيدًا كان يعيننى وأسرتى على مواجهة أعباء الحياة ويتبقى منه جزء للظروف، ولكن بعد خروجى للمعاش انخفض هذا الدخل بشكل كبير حيث أحصل على 3800 جنيه فقط، فاضطررت للعمل كاشير بداخل احدى محال السوبر ماركت، حتى أستطيع الإنفاق على أسرتى، حيث إن لدى بنتين فى التعليم الجامعى، ولذلك اضطرت للعمل من أجل تلبية احتياجاتهم وتجهيز أحداهن للزواج لأن أسعار الأجهزة الكهربائية مرتفعة جدًا والمعيشة أصبحت صعبة على الجميع فى كافة المستويات، فتكلفة الطعام والاحتياجات الأساسية والمرافق مثل الكهرباء والغاز والفواتير وغيرها تجعلنى أعمل فى سن كبيرة، وأضاف أنه وضع جزءًا من مكافأة نهاية الخدمة فى البنك لتدر عليه عائد يدفعه كإيجار للشقة التى يقيم بها، ومع غلاء البنزين مؤخرًا ارتفعت أسعار جميع السلع والخدمات والمعاشات ما زالت متدنية مطالبا بأنها يجب ألا تقل عن الحد الأدنى للأجور لأن هذه هى حقوقنا.
وقال يوسف عبد الله 38 عامًا موظف، إنه يعمل كسائق أوبر على سيارته بعد انتهائه من عمله لزيادة دخله، حيث إن لديه طفلان فى مرحلة التعليم الابتدائى والاعدادى، وبسبب زيادة أعباء الحياة فهو يعمل صباحًا كموظف استقبال بأحدى الشركات الخاصة ولكن الراتب لايكفى لسد كافة احتياجاته واحتياجات أسرتهن لذلك اضطر منذ عامين لشراء سيارة للعمل عليها كسائق لزيادة دخله، مشيرا إلى أنه يعمل قرابة 14 ساعة يوميًا لتلبية احتياجاته الأساسية فقط -على حد قوله- مثل دفع الإيجار والطعام ومصاريف المدارس الخاصة لأنه يريد تعليمًا أفضل لأبنائه ويحاول أن يجعل أولاده فى مستوى معيشة أفضل، وأشار يوسف إلى أن الحكومة لا تدعمه نهائيًا ولا يحتاج إليها فى شيء ولكنه يرغب فى تثبيت واستقرار أسعار البنزين لأنها تؤدى إلى زيادة كافة أسعار السلع والخدمات.
ويقول مصطفى حسن 55 عامًا، الذى يعمل صباحًا فى احدى شركات بيع المنتجات الغذائية ومساءا يعمل فى محل حلويات، من أجل تلبية متطلبات حياته اليومية وأسرته التى تتكون من 4 أفراد، أنه لجأ للعمل الثانى بسبب الظروف المعيشية التى أصبحت صعبة فى الفترة الأخيرة، حيث إنه يدفع ألفى جنيه كإيجار، ومرافق تتخطى 1500 جنيه شهريًا للكهربا والغاز والمياه، بالإضافة إلى المأكل والملبس له ولأبنائه، مشيرا إلى أن أحد أبنائه الذى يدرس فى المرحلة الجامعية لتلبية احتياجاته ومساعدة والده فى الإنفاق على المنزل، فهو العائل الوحيد للأسرة، بينما يعمل مصطفى حوالى 16 ساعة يوميًا ولديه يوم راحة اسبوعيًا وهو الجمعة، موضحًا انه مع ارتفاع أسعار البنزين مؤخرًا أصبح لديه خوف من المستقبل بشكل كبير بسبب الزيادة الكبيرة فى الأسعار.
وقال سيد محمود، ويعمل بمهنة النجارة منذ 25 عامًا أن هناك ركودًا كبيرًا فى سوق العمل للصنايعية بسبب ارتفاع الأسعار، موضحا انه كانت لديه ورشة نجارة تدر دخلا جيدًا ولكنه اضطر إلى إغلاقها والعمل حر بالطلب عبر معارفه، أو حين يحتاجه أصدقائه إلى عمل، مشيرا إلى أن لديه أسرة من 6 أفراد ويعمل جاهدًا من أجل تلبية احتياجاتهم ولكن الأسعار فى أخر 5 سنوات على حد قوله انقلبت رأسًا على عقب وأصبحت مرتفعة جدًا وتمثل ضغطًا كبيرًا عليه.
العمود الفقرى للمجتمع
ويشرح الدكتور رشاد عبده الخبير الاقتصادى، أن الطبقة الوسطى لها أهمية عظيمة فهى العمود الفقرى للمجتعات الحديثة، ومقياس التقدم والرفاهية يكون عبر تلك الطبقة لأنها الترمومتر الحقيقى للشعوب، فهى طبقة الأمل وتضم كافة أطياف المجتمع وهى من تحدث التنمية فى معظم المجالات ولا تحتاج إلى الخدمات الحكومية فى أشياء كثيرة وتتكفل بمعظم احتياجاتها، بل يتحملوا تكاليف إضافية، مثال التعليم فهم لا يريدون التعليم الحكومى ويريد تعليم أولادهم بشكل أفضل فيذهبون إلى المدارس الخاصة، ومن لديه المقدرة الأعلى يرسلهم إلى الخارج، وفى المستشفيات نفس الأمر فهم يحتاجون لخدمة أفضل لذلك يتجهون إلى القطاع الخاص من أموالهم، وبالتالى فهو يحتاج للخدمات الحكومية ويخفف عنها الكثير.
وأضاف الخبير الاقتصادى أنه فى الفترة الأخيرة ومع غلاء الأسعار ورفع سعر البنزين أصبحت هذه الطبقة هى أكثر المتضررين من أى طبقة أخرى، لأن أعضاءها يحاربون من أجل أن يعيشوا فى نفس المستوى المعيشى، أو يرتقون إلى مرتبة أعلى اعتمادا على دخولهم ولا يكلفون الحكومة شيئًا، ولكن مع الغلاء يصبح الأمر صعبًا على تلك الطبقة وتزداد المتاعب، وللأسف فى السنوات الأخيرة تأكلت الطبقة الوسطى وجذبت إلى الأسفل ودخل عدد كبير منهم ضمن الطبقات الفقيرة أو محدودى الدخل.
وأوضح «عبده» أن أى دولة تريد أن تتقدم إلى الأمام لابد لها من الاهتمام بالطبقة المتوسطة وخير مثال لذلك هى التجربة الصينية تهتم بشكل كبير بالطبقة الوسطى وأعطتهم امتيازات وخدمات جيدة مما جعل المجتمع متماسكًا بشكل كبير، أما هنا فيحدث العكس حيث ترتفع الأسعار باستمرار مما يجعل الطبقة المتوسطة فى مأزق لأن الدخل الحقيقى لها يتناقص بشكل كبير، مما يجعل هناك ركود فى السلع والخدمات لأنها الأكثر شراءً وطلبًا وتساهم فى التنمية.
وأشار الخبير الاقتصادى، أنه من أجل تنمية وتطوير حقيقى لابد من دعم وحماية الطبقة المتوسطة فلابد من توفير حياة كريمة لتلك الطبقة من أجل استمرار عملية التنمية ودعم الخدمات عبر الجمعيات الفئوية للعمال والموظفين فى كافة القطاعات، وتوفير السلع والخدمات بأسعار مناسبة لهم، وهذا كان يحدث فى الماضى وكان هناك دعم للطبقة المتوسطة، بل أن الحكومة كانت تتعاون مع القطاع الخاص لتخفيض أسعار بعض القطاعات الهامة مثل التعليم عن طريق تخفيض أسعار بعض المدارس الخاصة والجامعات الخاصة لتخفيف الضغط عن المدارس والجامعات الحكومية بجذب أبناء تلك الطبقة عبر تلك الامتيازات، ففى السابق كانت هناك بعض الرفاهيات للطبقة المتوسطة مثل شراء السيارة وتغييرها بعد مدة الأن أًصبح الأمر صعبًا جدًا على تلك الطبقة سواء شراء سيارة أو تغيير القديم منها، بل أنه يضطر لاستعمالها لسنوات طويلة لأنه لايوجد بديل بسبب ارتفاع أسعار السيارات بشكل كبير، وهذا أحد نماذج معاناة الطبقة المتوسطة فى ظل الارتفاع الكبير للأسعار، ونفس الأمر يتكرر فى كل المجالات الأخرى مثل توفير الطعام واحتياجات المنزل للأسرة وهى مسألة أساسية وبالتالى يجب دعم تلك الطبقة لأنها أهم أداة للتطور والتحديث فى المجتمع وهى القائد الأساسى للتنمية ودفع عجلة الإنتاج.
خط الفقر
وأكد سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسى، أن خط الفقر لأى دولة يكون بأن يحصل المواطن على أقل من 3 دولارات يوميًا، أما الطبقة الوسطى فى السنوات الأخيرة ومع زيادة التضخم، فقد لجأت إلى إنفاق جزء كبير من دخلها على الطعام لأنه شيء أساسى للجميع ولكن مع ارتفاع اسعار المنتجات الغذائية، لجأ البعض إلى تخفيض الانفاق وبالتالى تقل جودة الطعام مما يخلق مشاكل صحية لدى عدد كبير من المواطنين، خاصة مع انتشار المنتجات الرديئة لرخص ثمنها، وهذه مشكلة صغيرة تواجهها الطبقة المتوسطة ونموذج على معاناتها.
وأوضح أستاذ علم الاجتماع السياسى فى تصريح خاص لـ «الوفد»، أن الهدف من أى سياسة اقتصادية هى رفاهية المواطن وليس رفاهية الحكومة، والحكومة تعلن أرقام جيدة للمعيشة ولكن على أرض الواقع الوضع مختلف مثل مبدأ»العملية نجحت ولكن المريض توفي» ولكن أصبح هناك شبه اختفاء للرفاهيات لمواطنى الطبقة الوسطى فى السنوات الأخيرة، مثل شراء شقة أو عقار جديد أو الذهاب للمصايف مثلما كان يحدث منذ عقود، وهنا التساؤل ما هى السياسة الاقتصادية المتبعة وما هى الاجراءات لتحسين حال المواطنين؟
وأوضح «صادق» أن تراجع مستوى معيشة الطبقة الوسطى، يؤدى إلى عواقب وخيمة على كافة المستويات، وأهمها ضعف الانتماء للمجتمع وانتشار البغض فيه خاصة أن هذه الطبقة هى صمام أمان المجتمع والتى تجعله فى حالة تماسك وترابط، ولكن مع انحدارها سيصبح الأمر صعبًا على الدولة نفسها لمواجهة التحديات على كافة المستويات، خاصة أن هذه الطبقة أصبحت تبذل الكثير من مدخراتها على الاحتياجات الأساسية والتعليم والصحة وهو دور الحكومة ولكن الطبقة الوسطى تتكفل بنفسها فى غياب الدعم الحكومى عنها.
تكاتف
والتقط أطراف الحديث محمد عبد الله زين عضو مجلس النواب، موضحا أن الطبقة المتوسطة الأن أصبحت تعانى ورأيت بعينى أناس كانت حالتهم «مستورة» زادت معاناتهم فى ظل ارتفاع الأسعار، مشيرا إلى أن الطبقة الوسطى هى الأكثر حرصًا على تعليم أبنائها تعليما جيدا ولكن التعليم أيضا أصبحت أسعاره مرتفعة، كما أن الأساسيات كالطعام أصبحت مكلفة جدًا لتلك الطبقة، ومع تدنى الرواتب خاصة أن الحد الأدنى 7 آلاف جنيه، وهناك أقل من ذلك زادت المعاناة أكثر، وأصبحت حياتهم مأساة فى ظل الارتفاع الرهيب للأسعار.
وأضاف عضو مجلس النواب أنه لابد من معالجة قاعدة البيانات للمستحقين فى الفترة الأخيرة خاصة الطبقة المتوسطة مثل تنقية بطاقات التموين وتوجيه الدعم للفئات محدودة الدخل أو المتوسطة مثل منح الأسرة زيادة للدعم، مع وجوب دعم الطبقى الوسطى، لأنها أصبحت تعانى مع زيادة الأسعار والبنزين فى الفترة الأخيرة، وهناك فئات كثيرة تستحق الدعم لكن هناك كثير لديهم عزة نفس وبالتالى الدعم غير المباشر عبر تخفيض السلع والخدمات يمنحهم الأمل، ودعم الطبقة الوسطى أصبح أمرًا حتميًا من أجل الحماية الاجتماعية.
وأكد عضو مجلس النواب، أن المجتمع المدنى عليه دور هام فى مساندة الدولة لتحقيق الحماية الاجتماعية لمختلف الفئات، بداية من معدومى ومحدودى الدخل، وصولا إلى الطبقة المتوسطة التى تأثرت بشكل كبير جراء هذه الأزمات المتلاحقة، والأمر يتطلب تعظيم دور المجتمع المدنى، وإتاحة الفرصة أمامه للقيام بدوره على النحو الأمثل وفى ضوء ما يقره الدستور والقانون، لتسهيل عمل المبادرات المجتمعية، والمشاركة فى المبادرات التى تقوم بها الحكومة للمساهمة فى احتواء القرارات الاقتصادية الصعبة.
وأخيرًا فى غياب البيانات الرسمية الحديثة عن مستوى خط الفقر فى مصر، كشف البنك الدولى أن معدل الفقر الوطنى ارتفع فى عام 2022 إلى 32.5% بعد أن كان 29.7% فى العام المالى 2019-2020.
ولم تعلن مصر عن نتائج بحوث الإنفاق والدخل التى أجراها الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عن العامين 2021 و2022، بتأخير نحو سنة عن موعده الأصلى، لكنها أفصحت عنها للبنك الدولى.
وقال البنك فى تقرير له إن الحكومة أوضحت له أن معدل الفقر الوطنى لديها بلغ 32.5% ضمن طلب قدمته للحصول على تمويل برنامج الإنتاج الزراعى المرن لتغير المناخ بقيمة 250 مليون دولار.
وتشير الأرقام الجديدة إلى محو أثر التحسن الوحيد فى مكافحة الفقر خلال آخر ربع قرن والمسجل فى 2019-2020 عندما تراجع معدل الفقر إلى 29.7% مقابل 32.5% فى 2018/2017.
