قضية ورأى
زمن انحسار العولمة
بشرت العولمة عند صعودها خلال العقود الأخيرة، بعالم أكثر ترابطًا وتكاملًا، وأكثر عدالة.
عالم واحد مترابط كالأسرة الواحدة، ولا أبالغ إذا قلت إنهم روجوا لعالم كالجسد الواحد، يتنفس ويشعر ويتألم ويحب بعضه بعضًا.
لكن كما يقول المثل الشعبى المصرى «مفيش حاجة بتيجى من الغرب تسر القلب».
فعرابة العولمة وهى الولايات المتحدة الأمريكية، سخرت العولمة لصالحها، وربما حالة التماهى التى عشناها فى دول العالم الثالث، بمنطق تماهى المغلوب مع الغالب، كانت سمة أساسية حاكمة لهذه العلاقة.
المهم، أن الغرب سخّر العولمة لصالحه، جاعلًا الصين ودول شرق آسيا ورشة كبيرة، والعالم النامى مقترضين كبارًا وزبائن لدى قوى التمويل الدولية.
قيم غربية وغريبة وشاذة، بجانب قيم إنسانية عميقة، كانت جنبًا إلى جنب تضخ فى دول العالم الثالث.
كان الخليط غريبًا، ما بين حقوق المرأة وحقوق الشواذ، وما بين الديمقراطية والفوضى، وما بين نشر السلام وبيع السلاح ودعم القوى الاستعمارية الجديدة ومنها إسرائيل.
الآن.. بدأ الانحسار وربما السقوط.
فقد صدقت تنبؤات المعارضين بأن العولمة تفاقم التفاوت الاقتصادى بين الدول الغنية والفقيرة.
وقد استغلت الشركات متعددة الجنسيات العمالة الرخيصة فى الدول النامية، لصالح حكوماتها وشعوبها.
ولم تسلم الهويات الوطنية والقيم المحلية، إذ تم تهميش الثقافات الأصيلة وفرض نموذج ثقافى غربى مهيمن.
فى المراحل الأولى للعولمة، كانت الولايات المتحدة من أبرز الدول الداعمة لها، حيث رأت فيها فرصة لتوسيع نفوذها الاقتصادى والسياسى ونشر قيمها. كما انضمت إليها دول غربية أخرى استفادت من فتح الأسواق وتوسع التجارة. بالإضافة إلى ذلك، سعت العديد من الدول النامية إلى الاندماج فى النظام العالمى للاستفادة من الاستثمارات الأجنبية ونقل التكنولوجيا. ومع مرور الوقت، برزت قوى اقتصادية جديدة مثل الصين والهند، التى استفادت بشكل كبير من العولمة فى تحقيق النمو الاقتصادى الهائل، وأصبحت بدورها من المؤيدين الرئيسيين لنظام التجارة الحرة.
لكن الآن ترفع الولايات المتحدة الأمريكية، راية الحمائية، وتفرض جمارك بلا حساب، وتعزل روسيا لولا تدخل الصين، ودول أخرى لكسر هذا الحصار.
ورغم أن التكنولوجيا كانت محركًا رئيسيًا للعولمة، إلا أنها يمكن أن تسهم أيضًا فى انحسارها.
فالتقدم فى مجال الروبوتات والأتمتة، يمكن أن يعيد بعض الصناعات إلى الدول المتقدمة، مما يقلل من الاعتماد على العمالة الرخيصة فى الخارج.
من غير المرجح أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل العولمة. فالعالم أصبح مترابطًا بشكل كبير، ومن الصعب فك هذه التشابكات بشكل كامل.
أيضًا من غير المرجح أن تنتهى العولمة.
وبدلًا من ذلك، قد نشهد شكلًا جديدًا من العولمة يكون أكثر انتقائية وأقل شمولية، مع تركيز أكبر على الأمن القومى والمرونة والاستدامة.